تَذَكّرتُ أَوطَاني عَلى شَاطِىء النّهرِ | فَجَاشَ لهِيبُ الشّوقِ في مَوضعِ السرِّ |
وَأرسلتُ دَمعاً قَد جَنَتهُ يَدُ النّوَى | عَلَيّ فَأمسى فيّ مُنتَحِبَ القَطرِ |
عَدُوّانِ مُنذُ البَدءِ لكن لِشقوَتي | قَدِ اتّفقَا أن أقضيَ العمرَ بالقَهرِ |
فَلا النّارُ في صَدري تُجَفّفُ أدمُعي | وَلا عَبَرَاتي تُطفِىءُ النّارَ في صَدري |
كَأنّ نَصِيبي بَاتَ بَحرَ مَصَائِبٍ | لَهُ أَبداً مَدٌّ بِقَلبي بِلا جَزرِ |
أُكَتّمُ صَبري والخُطوبُ تَنوشني | وَهَيهات أن تَقوى الخُطوبُ على صبري |
يُرَوّعُني بِالهَجرِ دهري كَأنّهُ | عَلِيمٌ بأني لَستُ أخشى سِوَى الهَجرِ |
وإني لَدى دُهم اللّيالي وَجورِهَا | ضَحوك المُحَيّا غير مضطرِبِ الفِكرِ |
أصُوغُ القَوَافي حَالِيَاتٍ نُحورها | عَرَائس أبكارٍ بَرَزنَ مِن الخِدرِ |
إِذا مَا نّسِيمُ الشوقِ هَزّ قَريحَتي | تَسَاقَطَ منها الدرّ في رَوضَةِ الشّعرِ |
بنوها بُرُوجاً خَافِقَاتٍ بنودها | عَلى قِمَمٍ باتَت تعز على النّسرِ |
تضيءُ بها الأنوَارُ لَيلاً كَأَنّها | تَلوحُ لَنَا بين الكَواكِبِ والزّهرِ |
إِذا لَمحَتها الشمسُ تبدُو لشنَاظِرٍ | عرَائِس تجلى في ثيابٍ من التّبرِ |
وإِن ضَحِكَ البرقُ الهَتُونُ مُداعِباً | ذُرَاهَا انشَني بينَ المَخافَةِ والذّعرِ |
تَمُرّ الرَياحُ الهُوجُ غَضبى عَوَاصِفاً | على كلِّ بُرجٍ شامخٍ باسم الثغرِ |
كأنَّ يَدَ الأَيَّامِ عنهُ قصيرةٌ | وطرف الليالي تاهَ في المَهمَةِ القَفرِ |
كَأنيَ بالصبواي يَومَ تَجَمهَرَت | بها الناس خلتُ الناس في موقفِ الحَشرِ |
تَرُوحُ بها الكارات مَلأى خَلائِقاً | وترجِعُ فِيها مُثقَلاتٍ إِلى الجِسرِ |
وما ضَرّهَا والكَهرباء تَجُرّهَا | وكم مثلها من فوقها قد غدَت تجري |
عجِبتُ لأرضٍ كيفَ غَصّت بِشَعبِها | وما برِحَت تلقى التهافُتَ بالبشرِ |
فيَحسدُ مَن في الظهر مَن سارَ بطنها | ويحسدُ مَن في البَطنِ مَن سارَ في الظهرِ |
ونهر تَمُرّ القَاطِرَاتُ بِجَوفِهِ | يَبِيتُ خَلِيّ البَالِ منشرِحَ الصّدرِ |
حَكى القُبّةَ الزرقاء تسري بَوَاخِرٌ | عَلَيهِ بِانوَارٍ كَأفلاكِهَأ تَسري |
إِذا لَعلَعَ الرّعدُ الهَتونُ بِجَوّهَا | غَضُوباً أَجابَتهُ للبَوَاخِرُ في النّهرِ |
تخافُ اصطدِاماً في دُجاهُ كَأنّها | تقولُ لَهُ يا رَعدُ لا تعتمِد ضرّي |
وَكَم رَوضةٍ غَنّاءَ هَبّ نَسِيمُها | فَأحيَا فُؤاداً كانَ ظُلمَةِ القَبرِ |
تَرى الغِيدَ فِيهَا كَالظّبَاءِ بمكّةٍ | سَرحنَ ولكن صَيدُهُنّ مِنَ الكُفرِ |
وكم لَليلَةٍ في ظِلّها قد قضَيتُها | إِذا ما ذكرتُ الأهلَ أبكي لدى الذكرِ |
وكَم هَيّجَت قَلبَ المَشوقِ حَمامةٌ | بتغريدها من فوقِ أغصَانَها الخُضرِ |
كَأني وَإيّاهَا غَريبَانِ نَشتَكي | صُروفَ اللّيالي واللّيالي بنَا تُزري |
فلله ما أحلى اعتِزَالي ومَدمَعي | يُنَقِّطُ ما يَحلو مِنَ النّظمِ والنّثرِ |
وَلَيّنَةُ الأعطافِ منها أخو الهَوَى | يُكابِدُ قَلباً قاسِياً قُدّ مِن صَخرِ |
تُنَأدي إذا غازَلتَها مُتَصَبّباً | ألا فَاعجَبُوا إني سَكَِرتُ بِلا خَمرِ |
تَفوقُ الظّباءَ الشارداتِ تَلَفّتاً | وأين قَضِيبُ الخيزرَانِ مِنَ الخَصرِ |
لها طَلعَةٌ كالبَدرِ لَولا بَهاؤهَا | مشيت بلَيلٍ حالكٍ من دُجَى الشّعرِ |
إذا حَدّثَت صَبّاً يذوبُ صبابَةً | وناهِيكَ عن غُنجٍ هُناكَ وعن سِحرِ |
فَيَا لكِ من أرضٍ تسامَت بها النُّهَى | فَأَمسَت بأعلى المَجدِ صاحبة الأمرِ |
فَكَم عالم كالبحرِ فيها إذا انبَرَى | على مِنبَرٍ يَوماً تَلَقّظَ بِالدُّرِّ |
ومخترِعٍ قَد طَبَّقَ الأرضَ صِيتُهُ | وسارَت بِهِ الأمثَالُ في البَرِّ والبَحرِ |
رجالٌ لهم في كلّ يومٍ عَجَائِبٌ | كَانّهمُ في الدهرِ فازُوا على الدّهرِ |
فخاضُوا عَجاجَ البَحرِ والبحرُ صَاغِرٌ | ودّكّوا فِجاجَ البرِّ رُغماً عن البَرِّ |
وشَقَت أديمَ الجوِّ فيهمِ مَراكِبٌ | ولم يَختَشوا في الجَوِّ عاقِبَةَ الأمرِ |
لهُم هِمَمٌ لَو كانَ للأرضِ مثلها | لَفَكّت قُيُودَ الجاذبِيّةِ والأسرِ |
كأنَّ الذي قد كَوّنَ الأرضَ خصّهُم | عَلَيهَا بِأيّامٍ مُحَجَّلَةٍ غُرِّ |
فقلت لنفسي وهيَ حَيرَى بما احتَوَت | مَدِينَةُ هذا العَصرِ بل آية العَصرِ |
متى يا ترَى السوريّ ينضجُ علمُهُ | ويفخر في أوطّانِهِ ساميَ القَدرِ |
فَيَفرَح مَحزُونٌ وَيَلتَذّ نَازِحٌ | وَيَرجِع مُشتَاقٌ ولَو آخر العُمرِ |
ورُحتُ كَأني بينَ ماضٍ وحاضِرٍ | وَمُستَقبَل الأيّامِ أدري ولا أدري |