| إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ | نزت كبدي من شدّة الشوقِ والوجد |
| وناديتُ معتلَّ النسيمِ بلا رُشد | «نسيمَ الصَبا استنشقتُ منك شذا الندِّ |
فهل سرتَ مجتازاً على دِمنتي هند؟» |
| وهل لسليمِ الحبِّ أقبلتَ راقيا؟ | بنشرِ فتاة الحيِّ إذ كان شافيا |
| فما كنت إلاّ للصبابة ِ داعيا | «فذكّرتَني نجداً وما كنتُ ناسيا |
ليالٍ سرقناها مِن الدهرِ في نجدِ" |
| نواعِمَ عيشٍ مازَجَ الأُنس زَهرها | رِطابَ أديمٍ خالطَ المسكُ نشرهَا |
| رقاقَ حواشٍ قرَّب الوصلُ فجرَها | "ليالٍ قصيراتٍ، ويا ليت عُمرهَا |
يُمدُّ بعمري فهو غاية َ ما عندي" |
| رياحُ الهنا فيها تنشَّقتُ عَرفَها | وفيها مدامُ اللهوِ عاقرتُ صِرفَها |
| لدى روضة ٍ لا يبلغُ العقلُ وصفَها | «بها طلعت شمسُ النهارِ فلفَّها |
ظلامانِ من ليلٍ ومن فاحمٍ جعد» |
| سوادانِ يعمى الفجرُ بينَ دُجاهما | هما اثنانِ لكن واحدٌ منتماهُما |
| أتت تتخّفى خيفة ً في رداهما | «ولو لم تُغطّي خدَّها ظُلماتها |
لشُقَّ عمودُ الصبحِ من وجنة ِ الخدِّ" |
| فأبصرتُ منها إذا سهت منه غُرّة ً | محيًّا هو الشمسُ المنيرة ُ غُرّة ً |
| ولاحَ لها خدٌّ، هو النورُ نُضرة ً | «قد اختلست منها عيونيَ نظرة ً |
أرتني لهيبَ النارِ في جَنَّة الخُلد» |
| تَحيَّرتُ في بدرٍ من الوجهِ زاهرِ | يلوحُ على غصنٍ من القدّ ناضرِ |
| وأسيافِ لحظٍ في الجفونِ بواتر | "في وجنتيها حمرة ٌ شكَّ ناظري |
أمن دمِ قلبي لونُها أم من الورد» |
| فبالشذرِ أيدي الحُسن طرَّزن صدرها | وبالنجمِ لابالدرِّ وشحّن خصرَها |
| لها مقلّة هاروتُ ينفثُ سحرَها | "وفي نحرها عقدٌ توهمت ثغرَها |
لئالئهُ نُظّمن من ذلك العِقد» |
| بنفسي هيفاءَ الوشاحِ من الدُمى | سقتني حمّيا الراح صرفاً من اللّمى |
| فأمسيتُ من وصفِ المدام متيَّما | "وما كنت أدري ما المدامُ، وإنّما |
عرفتُ مذاق الراح من ريقها الشهدَ" |
| وقبلَ ارتشافُ الثغر ما لذّة ُ الهنا | وقبل سنا الخدينِ ما لامعُ السنا |
| وقبل رنينِ الحُلي مارنَّة ُ الغِنا | «وقبل اهتزازِ القدِّ ما هزّة ُ القَنا |
وقبل حسام اللحظِ ما الصارمُ الهندي» |
| لها كلَّ يومٍ عَطفة ٌ ثم نَبوة ٌ | وما علقت فيها بقلبي سَلوة ٌ |
| فمِن بُعدَها زادت بقلبي صبوة ٌ | "ومن قُربِها مالت برأسي نَشوة |
صحوتُ بها ياميُّ من سكرة ِ البعد» |
| ولا عجبٌ إن يشفَ في عَطفِ قلبها | سقامُ جفاها يومَ بتُّ بجنيها |
| هي الداءُ طوراً والشفاءُ لصبِّها | «وإن زالَ سكرُ البعدِ من سكرُ قربِها |
فلا طب حتى يُدفعُ الضدُّ بالضدِّ» |
| فمذ كنتُ ذرًّا قد تعشّقتُ زينبا | وفي عالمِ الأصلابِ زدت تعذُّبا |
| وموَّهتُ في ضربٍ من اللحنِ مطربٍ | «تعشّقتُها طِفلاً وكهلاً وأشيبا |
وهِمًّا عرته رعشة ُ الرأسِ والقدِّ» |
| أغارُ عليها أن يمرَّ بشعبها | نسيمُ الصَبا أو يكتسي طيبَ تُربها |
| وأدري بحبي كيف بات بقلبها | "ولم تدرِ ليلى أنني كَلِفٌ بها |
وقلبيَ من نار الصبابة في وقدِ" |
| وأخفيتُ عن نفسي هوى سقمه شكت | ولم تدرِ أحشائي بمن نارُها ذكت |
| وكفّي لأسناني لمن أسفاً نكت | "وما علمت من كتمِ حبي لمن بكت |
جفوني ولا قلبي لمن ذابَ في الوجدِ» |
| إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبُّبٍ | أتيتُ بتشبيبٍ عن الشوقِ معربٍ |
وأدفعُ في هندٍ وميَّة عن دعدِ |
| وإن قلتُ إني واجدٌ في جآذرِ | فوجدي بريّا لا بوحشٍ نوافرِ |
| وإن قلتُ أروى فالمنى أمُّ عامرِ | وإن قلتُ شوقي باللوى فبحاجر |
أو المنحنى فاعلم حننتُ إلى نجدِ |
| فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي | وأنَّ بهاتيك العَذارى تلذُّذي |
| وفي ذكرِ أوطانٍ لها القلبُ يغتذي | "وما ولعت نفسي بشيء سوى الذي |
ذكرتُ، ولكن تعلمُ النفسُ ما قصدي» |
| وأكرمُ أربابِ الغرامِ الأُلى خلوا | أناسٌ أسرَّوا سرَّه مُذ به ابتلوا |
| وقال لقومٍ للأذاعة ٍ ما قلوا | "كذا من تصدّى للهوى فليكن ولو |
تجرَّع من أحبابهِ علقمَ الصدِّ" |
| فانَّ الفتى مَن يحكم الرأي فكرهُ | ويعجزُ أربابَ البصيرة ِ سبرهُ |
| وذو الحزمِ من يخفى على الناسِ أمرهُ | "وليس الفتى ذو الحزمِ من راح سرَّه |
تناقُلهُ الأفواهُ للحرِّ والعبد" |
| إذا لم يصنهُ عن خليل وحُسَّد | تحدَّثَ فيه الناسُ في كلِّ مشهد |
| وغنَّت به الركبانُ في كلِّ فِدفد | «فيسري إلى القاصي كما بمحمد |
سرت بنتُ فكري بالثناءِ وبالحمد" |
| لقد جمدت دون القِريضِ القرايحُ | وماتت بموتِ الماجدين المدايُح |
| فما لرتاج الشعرِ إلاّيَ فاتُح | "وما للثنا إلاّ محمَّدُ صالح |
لقد ضلَّ مهديه لغير أبي المهدي |
| ظهورُ العُلى في مثله ما استقلّتِ | له رتبة ٌ عنها الكواكبَ خُطّت |
| فتى ً إن يرم إدراكه العقلُ يَبهتِ | "همامٌإلى العلياءِ حدّة فكرتي |
بعثتُ فلم تُبصِر لعلياهُ مِن حدّ» |
| مليكٌ عليه طائرُ الوهمِ لم يحمُّ | وكلُّ ابنِ مجدٍ شأوَ علياهُ لم يَرمُ |
| تحدَّر من أصلابِ فخرٍ غدت عُقم | «وعن مثله أمُّ المكارمِ لم تقُم |
فأَبّى ترى ندَّا لجوهرهِ الفَردِ" |
| لهُ خلقٌ ما شابَ سلساله القذا | ولا هو في غيرِ الفخارِ تلذَّذا |
| وغيرَ العُلى منذُ الولادة ِ ما اغتذى | "ترَّبى بحجرِ المجدِ طفلاً وقبلُ ذا |
براهُ إلهُ العرشِ من عنصرِ المجدِ" |
| فعلَّمَ صوبَ الغيثِ أن يتهلَّلا | ووازنَ منه الحلمُ رضوى ويذبلا |
| وفات جميعَ السابقين إلى العُلى | «ترقّى النهى قبل الفِطامِ به إلى |
نهاية إدراك الأنامِ من الرشدِ" |
| تجمَّع شملُ الزهدِ لمَّا تشتَتَا | وعاشَ التقى من بعدِ ما كان ميّتا |
| بذي نُسِكٍ ما زال للهِ مُخبتا | «ومعتصمٍ ممّا يُشانُ به الفتى |
بعفّة نفسٍ تِربِهِ وهو في المهد" |
| فلا غروَ إن عمَّت نوافلهُ الملا | وطبقَّن ظهرَ الأرضِ سهلاً وأجبلا |
| وفاتَ الورى فخراً ومجداً مؤثّلا | "فذا واحدُ الدنيا انطوى بردُه على |
جميعِ بني الدنيا فبورُكَ من بُردِ" |
| عليه العُلا قد دار إذ هو قطبُه | وفي فخرهِ من دهرِه ضاقَ رحبهُ |
| وبيتُ علاهُ سامَت الشُهب كثبُه | «رفيعُ مقامٍ أين ما حلَّ تُربُه |
من الشهبِ تمسي تِربَها أنجمُ السعد" |
| عظيمُ محلٍّ كان للفضلِ جوهرا | له رتبة ٌ طالت على الشمِّ مفخرا |
| لتأنف أن يستام عزَّة َ نخوتي | "على شرفاتِ المجدِ مغناهُ والورى |
بحصبائه، لا بالكواكب، تستهدي" |
| إذا هو بالايحاش بدَّلَ أُنسَه | تبيتُ صروفُ الدهرِ تُنكر مسَّه |
| همامٌ عليهِ يَحسِدُ الغدُ أمسَه | «تراه، ولو قد كان يخفض نفسَه |
لآملهِ عِطفاً ويبسمُ للوفدِ" |
| رفيعاً بحيثُ النجمُ لم يكُ ممسكا | بأَذيالهِ والفكرُ لم ير مَسلَكا |
| | ثبيراً على جنبِ الوثير قد اتكا |
ودون لقاه هيبة ُ الأسد الورَدِ |
| أعزُّ الورى نفساً وأزكى نجابة ً | وأسبقُ في الآراءِ منهم إصابة ً |
| وأبلَغُهم وسط النديِّ خِطابة ً | "له الفصحاءُ المفلقونَ مهابة ً |
إذا سُئِلوا لا يستطيعونَ للردِّ" |
| عليمٌ له نفسٌ عنِ الله لم تمل | ومن ذكرِ ما لم يرضِه لم يزَل وَجِل |
| ومنه وعنه العلمُ بين الورى نُقِل | "لقد ضاقَ صدر الدهر من بعض بثَّه الـ |
ـعلومَ، وما يخفيه أضعافُ ما يبدي" |
| وعمياءَ سُدَّت عن ذوي الرشدُ سُبُلها | تساوى بها علمُ الأنامِ وجهُلها |
| جلاها فتى ً تدري العلومُ وأهلُها | «إذا انعقدت عوصاء أُشكلَ حلُّها |
فليس لها إلاّهُ للحلِّ والعقد" |
| وغامضة ٍ فهمُ الورى دونها انقطع | وليس لهم في حلِّ معقودِها طمع |
| إذا أعوصت في كشفِ غامضها صَدع | «فيوضحها بعد الغموضِ ولم يَدع |
لمعترضٍ بابا لها غير مُنسدّ» |
| وكانت متى فاهت ذوو الحزم تخزِهم | فيرضوا بذلِّ العجزِ من بعدِ عزِّهم |
| وحتى تحاماها الفحولُ برمزِهم | وعنه أرَّم الناطقونَ لعجزِهم |
ومذوُده فى القولِ منشحذُ الحدِّ» |
| تراه به عضبَ المضاربِ مُرهفا | إذا هو أمضى الحكمَ لن يتوقفا |
| فيمسي عليه طالبوا العلم عُكَّفا | "فيلقي إلى أذهانِها علمَ ما اختفى |
ويُفرغ فى آذانها لؤلؤَ العِقد» |
| ومن كلِّ طخياءٍ جلا كلَّ غبرة ٍ | بايضاحِ قولٍ عن لسانٍ كزبرُة ٍ |
| ولم يكُ إلاّهُ بحدّة ِ فكرة ٍ | «رشيدٌ بعينِ الحزمِ أوَّل نظرة ٍ |
يرى ما به ضلَّت عقولُ ذوي الرُّشد" |
| تُرُّد أُمورُ الناس في كلِّ مشكلٍ | إلى قُلَّبٍ، إن أشكل الرأى ، حُوَّل |