الحقيقة أن هذه المشاغبة العابرة مع العنوان تتيح لي فرصة أن أضع سؤالين اساسيين هما المحور الحقيقي لمداخلتي المتواضعة..
السؤال الأول هو: هل هناك حضارات متعددة في عصرنا الحالي كما يقول العنوان أم ان هناك حضارة واحدة؟
السؤال الثاني: هل هناك تمايز وتفارق بين الحضارة والثقافة أم انهما مترادفتان؟
ولعلنا نستطيع أن نحسم هذا الامر لو استطعنا أن نحدد المعنى العام لمفهوم الحضارة,ولعل هذا يقودنا الى محاولة حل لهذه الإشكالية.
وبطبيعة الحال هناك غير تحديد وتعريف للحضارة,ولكنني أفضل التعريف الانثروبولوجي لأنه اكثر شمولاً..الحضارة بحسب هذا التعريف هي النمط العام للحياة الذي يتمثل بعلاقات السلطة والتنظيم الاجتماعي بداية من العمل والإنتاج والملكية والمعرفة والسلوك العلمي والقيمي والإبداع الفني والنتاج الثقافي عامة..ونلاحظ,لو قبلنا بهذا التعريف بشكل عام,أنه يجمع مابين الجانب المادي الموضوعي للحضارة والجانب المعنوي الثقافي القيمي لها..وهكذا تختلط الحضارة والثقافة في دلالة واحدة.وهذا االرأي نراه عند أغلب مفلسفي التاريخ ومفلسفي الحضارة بشكل عام في الفكر الأوروبي والعربي المعاصر..نجد هذا التداخل بين مفهومي الحضارة والثقافة عند ابن خلدون طبعاً في الانتقال من البداوة الى الحضارة,كما نجده عند أرنولد تويني,ولعلنا نجده عند اشبنغلر مع بعض الاختلاف لأنه يفرق بين الحضارة والمدنية..الحضارة عنده هي الثقافة,والمدنية هي الجانب العملي.
أقول هذا من ناحية العلاقة بين الحضارة والثقافة,إذ أرى هذا التداخل بينهما.أما من ناحية التعدد الحضاري فلاشك في أنه طوال التاريخ كان هناك تعدد حضاري.هناك حضارات متعددة ومختلفة,سواء متعددة في العصر الواحد أو طوال المسيرة الحضارية.ولكن الملاحظ أنها دائمة محدودة تقوم في موضع من المواضع,الحضارة المصرية في منطقة,الحضارة الصينية في منطقة,الحضارة الفارسية والهندية,وحتى الحضارة العربية الإسلامية رغم امتدادها في حدود معينة.بيد أنها لاتسود الى أبعد من هذا..ونلاحظ الاختلاف الواضح في عصرنا الحالي.
تسود في عصرنا الراهن حضارة على العالم أجمع..وتتشكل لاول مرة في التاريخ ظاهرة العولمة..ولذلك يتميز عصرنا بوحدة حضارية شاملة من أدنى الأرض الى أعلاها,وإن اختلفت مستويات هذه الحضارة الواحدة بين مجتمع وآخر..فهناك منتجون لهذه الحضارة ومبدعون لها وهناك مستهلكوها الهامشيون..ولكن هناك حضارة واحدة..وهي التي يطلق عليها اسم الحضارة الغربية..وكلمة الغربية تعبر عن منشا هذه الحضارة,عندما نقول المنشأ نعني أوروبا أو الغرب..كلمة غربية تحدد مكان أو موضع..أو تحدد الدلالة..والدلالة الحقيقية هي أنها تمثل نمطاً معيناً من أنماط الإنتاج الرأسمالي,هي حضارة رأسمالية.ولم تقف الطبيعة الرأسمالية عند تحديد الغرب طبعاً,ولكنها امتدت الى كل أنحاء الأرض.في كل مكان هناك سيطرة ودلالة معينة من حيث الإنتاج الرأسمالي ميال للتوسع والربح.ومهما ارتكب الغرب من الجرائم في الماضي والحاضر والمستقبل,فله الفضل الأكبر في تحقيق وحدة العالم.
عندما أشير الى نمط الإنتاج الرأسمالي لاأقصد البعد الاقتصادي فحسب,حتى لاأقع في شراك النزعة الاقتصادوية..ولكن أقصد البعد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والايديولوجي..الخ.إن هذا الطابع الرأسمالي للحضارة الراهنة ارتبط منذ بدايته برؤية عقلانية تاريخية تنويرية وتوجه ليبرالي..هناك وحركة نقدية للتاريخ ولمفهوم التاريخ..رؤية عقلانية وتوجه ليبرالي يقوم على مبدأ التعدد وحرية الاختلاف وحرية التعبير..وهي العناصر الأولى التي تشكل البعد الثقافي لما يسمى بالحضارة الرأسمالية,ونتيجة لطبيعة هذه الحضارة الرأسمالية فقد تم في داخلها استقطاب..
استقطاب محدد لعدد من الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية,وهذا مانسميه بالهيمنة.إن الهيمنة هي الصورة الأكثر تطوراً وشمولاً مما نسميه بالمركزية الأوروبية,فالهيمنة هي شكل أعلى من المركزية الأوروبية.ويتم دائماً الخلط بين العولمة والهيمنة..إن هناك فارقاً بينهما رغم أن بينهما أيضاً تداخلاً حميماً.
إن العولمة هي ظاهرة طبيعية قدرية رضينا أم لم نرض,وهي نتيجة للطابع التوسعي لنمط الإنتاج الرأسمالي,فضلاً عن الاكتشافات الاتصالية والتكنولوجية والمعلوماتية..الخ.أما الهيمنة فعلى رغم أنها نابعة من الطابع التنافسي للنمط الرأسمالي,فهي نتيجة للتفاوت بين البلاد الرأسمالية المختلفة في مستويات التطور,وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء القطبية الثنائية لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الرأسمالي.على أنه بتفاقم هذه الهيمنة في داخل العولمة أخذت تحتدم صراعات المصالح التجارية بين الدول الرأسمالية نفسها حول اسواق العالم مستخدمة أرقى ماوصلت اليه المعرفة العلمية والمكتشفات التكنولوجية من ناحية,ومن ناحية ثانية تفجرت الاختلافات والتمايزات والخصوصيات والهويات القومية والعرقية والدينية والثقافية,ويحتدم الصراع في مابينها,وبينها وبين الهيمنة الرأسمالية,على أن هذه الخصوصيات والهويات لاتشكل حضارات وإن كنت أرى أنها استمرار ثقافي لحضارات قديمة تحللت وأخذت تطغى عليها الحضارة الرأسمالية الجديدة.ولهذا تبرز في البلاد النامية والمتخلفة الدعوة الى الأصولية..الدعوة الى العودة الى الماضي والجذور والثوابت والأصول.
وهكذا نتبين في عصرنا اولاً: حضارة عالمية واحدة ذات نمط رأسمالي ثابت.ثانياً: نتبين هيمنة لبعض البلاد الرأسمالية الكبرى على هذه الحضارة العالمية.ثالثاً: وفي إطار هذه العولمة والهيمنة تحتل صراعات المصالح التجارية والاقتصادية أساساً بين البلاد الرأسمالية نفسها رغم مابينها من اشكال تنسيقية وتحالفية وتعاطفية..رابعاً: هناك أيضاً صراعات الهويات والخصوصيات القومية والوطنية والدينية بين بعضنا البعض حيناً,وبيننا وبين الهيمنة الرأسمالية على أسس مصلحية وان اتخذت مظهراً قومياً أو دينياً أو ثقافياً أو حضارياً حيناً آخر,ولهذا تسعى الولايات المتحدة الى تنميط العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً دعماً لهيمنتها ولمصالحها الخاصة,وليس دعماً لوحدة الحضارة وتطويراً لعولمتها.
الثقافة العربية
ابن الإسلام