في منتصف السبعينات من القرن العشرين لاحظ أستاذ بجامعة وست جورجيا كولدج الأمريكية يدعي توماس برايسون غياب الأبحاث المفصلة عن تاريخ العلاقات الأمريكية-العربية بعد أن عاصر فترة ما بعد حرب 1967 وأوائل السبعينات والتي شهدت أزمة البترول وزيادة اهتمام الرأي العام الأمريكي بشكل ملحوظ بالعالم العربي وبطبيعة توجهاته نحو بالولايات المتحدة.
لذا قرر توماس برايسون كتابة دراسة بعنوان "علاقات أمريكا الدبلوماسية بالشرق الأوسط" اهتمت بمسح العلاقات الأمريكية العربية خلال الفترة من 1784 إلى 1975، ونشرت في كتاب عام 1977، وسوف نركز في هذه المقالة على أول فصلين من كتاب برايسون واللذين يتحدثان عن علاقات أمريكا الدبلوماسية بالعام العربي والشرق الأوسط الإسلامي خلال الفترة من 1784 إلى 1828.
(1) بداية العلاقة
يقول برايسون - في الفصل الأول من كتابه - أن بعد استقلال أمريكا من الاستعمار الإنجليزي (إعلان الاستقلال الأمريكي وقع في 1776) وجد الأمريكيون أنفسهم في عالم معاد لهم تهيمن عليه قوى الاستعمار الأوربية، فقدوا فيه المزايا التجارية التي كانوا يتمتعون بها عندما كانوا جزء من الإمبراطورية البريطانية، وكانت التجارة الخارجية ضرورية للحفاظ على بقاء الجمهورية الأمريكية الجديدة، لذا سعى الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية سعيا حثيثا للبحث عن أسواق جديدة وكان الشرق الأوسط الإسلامي من أولى الجهات التي قصدوها.
في مايو 1784 بدأت أمريكا علاقاتها الدبلوماسية مع الشرق الأوسط عندما عين الكونجرس لجنة خاصة – تتكون من بنيامين فرانكلين وجون أدامز وتوماس جيفرسون – لإقامة علاقات تجارية والتفاوض مع إمارات المغرب العربي (بالمغرب والجزائر حاليا).
وفي عام 1786 وتحت ضغوط لوبي السفن التجارية الأمريكي توصل المبعوث الأمريكي لإمارات المغرب العربي إلى اتفاقية تجارة مع حاكم المغرب صدق عليها مجلس الشيوخ الأمريكي فور عرضها عليه في عام 1787 كما أرسل رسالة شكر لحاكم المغرب. لكن لم يحالف الأمريكيون حظا مماثلا في تفاوضهم مع حكام الجزائر وإمارات طرابلس.
وفي ذلك الوقت أراد جيفرسون وأدامز الشروع في بناء أسطول بحري أمريكي لحماية تجارة أمريكا مع المغرب ولكن الكونجرس رفض منحهم الأموال الكافية حتى جاء عام 1794 واندلعت الحرب بين فرنسا وبريطانيا، وانتشرت أخبار عن مصادرة بريطانيا لسفن أمريكية وعن زيادة تهديد الجزائريون للسفن الأمريكية لذا قرر الكونجرس في العام نفسه بناء ستة سفن لحماية تجارة أمريكا مع الشرق الأوسط واضعا نواة الأسطول الأمريكي الحالي، وبذلك – كما يرى الكاتب – كانت العلاقات الأمريكية العربية أحد الأسباب التي دفعت إلى تأسيس الأسطول الأمريكي.
وفي عام 1795 توصل الأمريكيون إلى اتفاقية تجارية مع الجزائريون، وفي عام 1706 توصلوا لاتفاقية مع طرابلس، ومع تونس في عام 1797.
وللأسف لم تمر العلاقات بدون مشاحنات إذ قامت حربا بين أمريكا وطرابلس في عام 1801 – والتي كانت أول حرب أعلنتها الجمهورية الأمريكية الجديدة لحماية مصالحها الوطنية، وبعد سلسلة مناوشات ومفاوضات استعاد الأمريكيون علاقتهم بطرابلس عام 1805. ومنذ ذلك الوقت وحتى عام 1816 واجهت أمريكا مشكلات مشابهة مع بقية دول المغرب العربي تخللتها بعض المواجهات المسلحة وانتهت بمعاهدات سلام.
ويقول توماس برايسون أن السياسية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال تلك الفترة المبكرة من العلاقات الأمريكية العربية كانت محكومة بشكل أساسي بمصالح أمريكا الوطنية (الاقتصادية بالأساس) المجردة والتي قادت أمريكا للانفتاح على أسواق الشرق الأوسط، وبناء أسطولا وطنيا لحماية مصالحها، والدخول في حروب في بعض الأحيان.
كما أن أمريكا عاشت في تلك الفترة مرحلة تكوين واستقلال عن بريطانيا ليست بسهلة ولكنها سارت بنجاح، ومع بداية عام 1815 انتشرت في أمريكا مشاعر جديدة عبرت عن مرحلة جديدة في حياة الجمهورية الأمريكية الناشئة المستقلة وهي مشاعر الوطنية الأمريكية التي قادت أمريكا إلى مرحلة جديدة من مراحل علاقتها مع الشرق الأوسط ساعدت أمريكا ليس فقط على تعريف علاقتها نحو البلدان العربية والإسلامية فقط وإنما نحو العالم بشكل عام.
(2) أول لوبي ضد الدول الإسلامية في أمريكا
الأيدلوجية الوطنية الأمريكية الجديدة تضمنت أفكارا جزئية عديدة على رأسها فكرة دعم حركات الاستقلال الوطنية (على غرار حركة استقلال أمريكا عن بريطانيا) وفكرة البحث عن الأصول الثقافية الغربية لأمريكا الناشئة، وقد قادت هذه المشاعر الأمريكيين - في عشرينات القرن التاسع عشر - إلى دعم حركة استقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية.
ويرى برايسون أن الأمريكيين اندفعوا في تأييدهم لثورة اليونانيين بمشاعر دينية وثقافية واضحة بسبب شعورهم بالتراث الثقافي المشترك مع الحضارة اليونانية التي تعد أساسا للحضارة الغربية، ولكن هذه المشاعر واجهتها مصالح أمريكية ثلاث، وهي:
- مصالح أمريكا التجارية مع الإمبراطورية العثمانية والبلدان العربية والإسلامية الواقعة تحت سيطرتها، إذ مثلت الموانئ العثمانية بعض أهم موانئ التجارة الأمريكية في العالم، ولذا عارض لوبي التجار الأمريكيين فكرة مساندة الثورة اليونانية.
- حماية نشاط البعثات التبشيرية الأمريكية بالإمبراطورية العثمانية.
- حماية وجود القوات البحرية الأمريكية في مياه الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من دعم البعثات التبشيرية للثورة اليونانية ودورهم في نشر التعاطف معها في أوساط الشعب الأمريكي فضلت الحكومة الأمريكية - في بداية العشرينات من القرن التاسع عشر - أن تنحاز إلى اللوبي التجاري حفاظا على مصالحها الوطنية.
وفي عام 1821 وجهت الثورة اليونانية عدة نداءات للشعب الأمريكي تبناها عدد من محرري الجرائد وأساتذة جامعة هارفرد الأمريكية الذين شرعوا في تنظيم حركة شعبية لمساندة استقلال اليونان بدأت في شمال شرق أمريكا (نيويورك وبوستن وبنسلفانيا) وانتشرت إلى فرجينيا وجورجيا ونورث كالورينا، كما انتشرت وسط الحركات الطلابية بأكبر الجامعات ككلومبيا وييل وغيرهما، كما استفادت الحركة من انتشار تعاطف الأمريكيين الثقافي مع اليونانيين وسرعان ما نظموا حملة وطنية لجمع التبرعات للثورة اليونانية.
وفي ديسمبر 1822 قدم عضو بالكونجرس الأمريكي من ولاية ماستشوتس مذكرة للكونجرس نيابة عن الشعب اليوناني لاقت معارضة أعضاء الكونجرس.
وقد دفعت الحملة حكومة الرئيس الأمريكي جيمس مونرو إلى صياغة سياستها نحو الأقليات في الدول الأخرى والذي أعلن سياسة "عدم التدخل" في شئون الأقليات بالدول العثمانية، والتي أصبحت فيما بعد سياسة حاكمة للولايات المتحدة على مدى أكثر من قرن.
وفي عام 1823 جدد ثوار اليونان اتصالاتهم بالحكومة الأمريكية عن طريق لندن وطالبوها بالاعتراف بحكومتهم والتحالف معهم ومساعدتهم، وبعد مشاورات داخل الإدارة الأمريكية أصر الأمريكيون على التمسك بمبدأ عدم التدخل وبموقفهم الحيادي.
ولكن مع نهاية عام 1823 سادت الإدارة الأمريكية مشاعر جديدة وقام الرئيس مونرو بالتشاور مع توماس جيفرسون وجيمس ماديسون، ومع وزرائه الذين فضل بعضهم التدخل بوسائل مختلفة لمساعدة اليونانيين، ولكن الرئيس مونرو فضل مرة أخرى الانحياز لوجهة نظر وزير خارجيته كوينسي أدمز الذي طالب بعدم تدخل أمريكا في شئون أوربا في مقابل مطالبة أوربا بعدم التدخل في شئون أمريكا الجنوبية.
وأعاد الرئيس مونرو تأكيد سياسة عدم التدخل الأمريكية في خطابه أمام الكونجرس في ديسمبر 1823، ولكن هذا التأكيد الواضح لم يتمكن من إيقاف حركة المساندة الشعبية للثورة اليونانية، إذ استمرت الحركة في النمو تحت قيادة عدد متزايد من القادة، حتى وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من القوة في عام 1824 أثمرت عن تقديم مشروع قرار بمجلس النواب الأمريكي يطالب بتعيين مبعوث أمريكي إلى اليونان.
وقد حصد مشروع القرار تأييد بعض أعضاء الكونجرس الذين اتهموا الحكومة الأمريكية بتجاهل موقف الشعب الأمريكي المؤيد لليونان، ولكن القرار خسر أمام عدد أكبر من الأعضاء الذين طالبوا بالحفاظ على مصالح أمريكا ومبدأ الحياد، وخشوا أن يقود التدخل الأمريكي إلى تدخل أوربي أكبر في شئون الأقليات أو إلى حرب بين الإمبراطورية العثمانية وحلفائها والولايات المتحدة.
وطالب أحد أعضاء الكونجرس وزير المالية الأمريكي بإعداد تقرير عن حجم تجارة أمريكا بالشرق الأوسط، وذكر التقرير أن حجم تجارة أمريكا مع الشرق الأوسط بلغ 2.3 مليون دولار في الفترة من 1820 إلى 1822 وأنه تخطى 1.2 مليون دولار في عام 1823، مما أعطى لوبي التجارة بالكونجرس دفعة قوية وأدى إلى هزيمة القرار بمساعدة وزير الخارجية الأمريكي كوينسي أدمز الذي كان مساندة قويا لمبدأ عدم التدخل.
ولكن حركة المساندة الشعبية استمرت في حصد التأييد والتبرعات وفي عام 1827 وحده تبرع الأمريكيون بأكثر من 100 ألف دولار أمريكي للثورة اليونانية، ويقول توماس برايسون أن المساعدات الأمريكية لعبت دورا "أساسيا" في مساندة ثورة اليونانيين ضد الإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة، كما تطوع بعض الأمريكيين للحرب بجوار ثوار اليونان.
كما يرى برايسون أن علاقة أمريكا بالإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة ساعدت أمريكا على صياغة سياسية "عدم التدخل" وعلى تطبيقها أيضا تطبيقا يمكن أن نسميه بتطبيق مزدوج إذا حافظت الحكومة الأمريكية على حيادها الرسمي تجاه اليونان على طول الخط لدرجة أن الإدارة الأمريكية أخرت اعترافها باستقلال اليونان حتى عام 1833 وبعد توقيع اتفاقية شاملة مع الإمبراطورية العثمانية تضمن حماية تجارة أمريكا المتزايدة مع بلدان الإمبراطورية العثمانية.
وفي نفس الوقت سمحت الحكومة للشعب الأمريكي بالتعبير عن مساندته للقضية اليونانية بالشكل الذي أراده بما في ذلك المساندة المعنوية والمادية.
ويعتقد برايسون أن ازدواج الموقف الأمريكي عبر عن تعارض مصالح أمريكا حكومة وشعبا تجاه الشرق الأوسط، إذ تعارضت المصالح الثقافية والدينية مع المصالح الاقتصادية والعسكرية، كما تعارضت مصالح اللوبي الشعبي مع مصالح اللوبي الرسمي والتجاري، وفي مواجهة هذه المتناقضات سعت الحكومة الأمريكية لصياغة سياساتها.
(3) أفكار أساسية
ما يهمنا هنا هو عدد قليل من النقاط الهامة، وهي أولا أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ترتكز على دوافع عديدة دائما ومتناقضة أحيانا بما في ذلك الدوافع الاقتصادية والدينية والثقافية والعسكرية وغيرها.
ثانيا: أن أمريكا تنطلق - في صياغتها لسياساتها تجاه أي دولة من دول العالم - من مصالحها الوطنية المبنية على دوافع وحسابات ومصالح داخلية والتي قد تصب أو لا تصب في مصلحة الدول الأجنبية.
ثالثا: علاقة أمريكا بالعالم العربي والإسلامي قديمة ومليئة بالوقائع الإيجابية والسلبية.
رابعا: تثير المقالة السابقة فكرة هامة - يكثر الحديث عنها في الفترة الراهنة - وهي أن جهود تعبئة الشعب الأمريكي بخصوص القضايا الدولية هي جهود قديمة جدا لا تقتصر على الفترة الراهنة أو العقود الأخيرة، وقد استفادت بعض الجماعات من هذه الحقيقة منذ زمن بعيد جدا وراحت تنشط لتوعية الأمريكيين بقضاياها وتشويه صورة خصومها لدى الشعب الأمريكي.