
لما للشاعر الكبير/ أحمد مطر من عشاق .. ولما له من عشق خاص في قلبي ..
فقد قمت من فترة بتجميع ما وقعت يداي عنه - في الصحف , المجلات المقرؤة , صفحات البحث الآلكترونية –
وتقديرأً مني لمنتدانا وأعضاءه الكرام ..
فأني سأقوم- بأذن الله – بمشاركتكم ما توفر لدي عن شاعرنا في هذا الموضوع(وعلى شكل حلقات منفصله)
أملاً أن لا تبخلوا علينا بملاحظاتك وأرائكم خلال عرض الحلقات.
وعلماٌ بأن مصدر أغلب المقالات من موقع الشاعر احمد مطر (تجدونه بالآسفل)
مع العلم أن هناك كتاب الكتروني بصيغة (ebook) يشمل أغلب أعمال الشاعر..
قام بتجميعه الآخ القدير(أبو حسام الهواري ) ..
ويمكن تحميل الكتاب من هناااااااااااااااااا ااااااااا
وكذلك لعشاق الشاعر هناك موقع الكتروني متخصص بالشاعر
الرجاء..أضغط هناااااااااااااااااا ااا للدخول لموقع الشاعر
أحمد مَطر.....
شاعر الحرية
شاعر المنفى
شاعر السخرية
شاعر التمرد
لن أُعَرِفَهُ
لأن الكل يعرفه
يكفي أن أسمه "أحمد"
و"أحمد" ممنوع من الصرف
سأنشر هنا كل ما لدي عنه وكل ما نُشِر له....
وكل ما سَطَرَ من "قنابل ذرية" بأسم الحرية
الفهرس عرض الحلقات
- عن الشاعر
- قالوا عنه
كتاب الأعمال الشعرية الكاملة والذي يتضمن الدواوين:
- لافتات1
- لافتات2
- لافتات 3
- لافتات 4
- لافتات 5
- لافتات 6
- لافتات 7
- ديوان الساعة
- إني المشنوق أعلاه
- العشاء الأخير لصاحب الجلالة إبليس الأول
- ما أصعب الكلام
- لافتات مطرية من جريدة الراية القطرية
- سلسلة مقالات "حديقة الإنسان" التي تنشر في جريدة الراية
- آخر صورة للشاعِر
ملاحظة: بالنسبة الى كتاب "الاعمال الشعرية الكاملة"
فإنه يتضمن قصائد كثيرة لم تُنشر على الأنترنت قط ..
ولا أعلم هل هذا الكتاب متوفر في باقي الدول العربية..
لأنه كما تعلمون فأن مؤلفات الشاعر ممنوعة الا في العراق !!!!!!!
إلى هناك.....!
.

الحلقة الآولى
عن الشاعر:
ولد أحمد مطر في مطلع الخمسينات، ابناً رابعاً بين عشرة أخوة من البنين والبنات، في قرية (التنومة)، إحدى نواحي (شط العرب) في البصرة. وعاش فيها مرحلة الطفولة قبل أن تنتقل أسرته، وهو في مرحلة الصبا، لتقيم عبر النهر في محلة الأصمعي.
وكان للتنومة تأثير واضح في نفسه، فهي -كما يصفها- تنضح بساطة ورقّة وطيبة، مطرّزة بالأنهار والجداول والبساتين، وبيوت الطين والقصب، واشجار النخيل التي لا تكتفي بالإحاطة بالقرية، بل تقتحم بيوتها، وتدلي سعفها الأخضر واليابس ظلالاً ومراوح.
وفي سن الرابعة عشرة بدأ مطر يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية، لكن سرعان ما تكشّفت له خفايا الصراع بين السُلطة والشعب، فألقى بنفسه، في فترة مبكرة من عمره، في دائرة النار، حيث لم تطاوعه نفسه على الصمت، ولا على ارتداء ثياب العرس في المأتم، فدخل المعترك السياسي من خلال مشاركته في الإحتفالات العامة بإلقاء قصائده من على المنصة، وكانت هذه القصائد في بداياتها طويلة، تصل إلى أكثر من مائة بيت، مشحونة بقوة عالية من التحريض، وتتمحور حول موقف المواطن من سُلطة لا تتركه ليعيش. ولم يكن لمثل هذا الموقف أن يمر بسلام، الأمر الذي اضطرالشاعر، في النهاية، إلى توديع وطنه ومرابع صباه والتوجه إلى الكويت، هارباً من مطاردة السُلطة.
وفي الكويت عمل في جريدة (القبس) محرراً ثقافياً، وكان آنذاك في منتصف العشرينات من عمره، حيث مضى يُدوّن قصائده التي أخذ نفسه بالشدّة من أجل ألاّ تتعدى موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصيدة كلّها في بيت واحد. وراح يكتنز هذه القصائد وكأنه يدوّن يومياته في مفكرته الشخصيّة، لكنها سرعان ما أخذت طريقها إلى النشر، فكانت (القبس) الثغرة التي أخرج منها رأسه، وباركت انطلاقته الشعرية الإنتحارية، وسجّلت لافتاته دون خوف، وساهمت في نشرها بين القرّاء.
وفي رحاب (القبس) عمل الشاعر مع الفنان ناجي العلي، ليجد كلّ منهما في الآخر توافقاً نفسياً واضحاً، فقد كان كلاهما يعرف، غيباً، أن الآخر يكره ما يكره ويحب ما يحب، وكثيراً ما كانا يتوافقان في التعبير عن قضية واحدة، دون اتّفاق مسبق، إذ أن الروابط بينهما كانت تقوم على الصدق والعفوية والبراءة وحدّة الشعور بالمأساة، ورؤية الأشياء بعين مجردة صافية، بعيدة عن مزالق الإيديولوجيا.
وقد كان أحمد مطر يبدأ الجريدة بلافتته في الصفحة الأولى، وكان ناجي العلي يختمها بلوحته الكاريكاتيرية في الصفحة الأخيرة.
ومرة أخرى تكررت مأساة الشاعر، حيث أن لهجته الصادقة، وكلماته الحادة، ولافتاته الصريحة، أثارت حفيظة مختلف السلطات العربية، تماماً مثلما أثارتها ريشة ناجي العلي، الأمر الذي أدى إلى صدور قرار بنفيهما معاً من الكويت، حيث ترافق الإثنان من منفى إلى منفى. وفي لندن فَقـدَ أحمد مطر صاحبه ناجي العلي، ليظل بعده نصف ميت. وعزاؤه أن ناجي مازال معه نصف حي، لينتقم من قوى الشر بقلمه.
ومنذ عام 1986، استقر أحمد مطر في لندن، ليُمضي الأعوام الطويلة، بعيداً عن الوطن مسافة أميال وأميال، قريباً منه على مرمى حجر، في صراع مع الحنين والمرض، مُرسّخاً حروف وصيته في كل لافتـة يرفعها.
(هذه النبذة مقتطفة -بتصرّف - من كتاب : عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر- تأليف كمال أحمد غنيم)*
_________________________
* بالنسبة لهذا الكتاب فإني بحثت في كل مكان فلم أجده
.
((يتبع))
.

قالوا عنه:
الشاعر الإنتحـاري
بقلـم : رؤوف شحـوري
1- هذا شاعر لا يقف في "الطابور". لا يضيع في الزحام. لايشبه الآخرين. لم يحمل "كشة"، ولم يفتح دكانا ولا سوبر ماركت. ولا يبيع بضاعة من نوع الألف صنف وصنف. ولا يغريك بتنويع البضاعة ولا بالتّفنن في تغليفها بورق الهدايا وأشرطة الحرير الملونة. لايدعوك إلى قصيدة غزل في جلسة خبز وخمر وحشيش وقمر. ولا إلى قصيدة مدح على باب صاحب سلطان. ولا إلى قصيدة فخر " لنجهل فوق جهل الجاهلينا". ولا إلى قصيدة رثاء يلعب فيها دور النائحة لاستدرار الدموع. إنه خارج الطابور. يقف وحيداً في جانب، ويقف الشعراء جميعا في جانب آخر. متفرّد. متميز. استثنائي.
2-هذا شاعر لا يرتدي السموكن. لا يسكن القصور ولا يرتادها. لا يستلهم الوحي من تعاطي عقاقير الهلوسة أو كؤوس المنكر. لايملك رصيداً في البنوك، لكنه من أصحاب الملايين في بورصة الكلمة. لا يملك عقاراً محدداً بعينه، لكنه سجل على اسمه ملكية أراضي الأوطان العربية كلها في "السجل الشعري" لا في السجل العقاري. لايهوى السياحة والتنقل في مقاعد الدرجة الأولى، ولا يسافر إلاّ إذا كان مرغماً على التسفير، ولا يرحل إلا إذا كان مجبراً على الرحيل. ومع ذلك فهو يرحل كل يوم إلى كل الضمائر ويسافر إلى كل القلوب بجواز سفر اسمه " لافتات" ، أصدرته دولة اسمها الشعر، وختمته بخاتم إسمه الموهبة، وأرفقته بعبارة "رجاء تسهيل مهمة حامله".
3-هذا شاعر يرتدي الملابس المرقطة. يسري ليلاً في مهمات غامضة. يرتاد أقبية المقهورين وكهوف المظلومين. يحاورهم. يأخذ منهم صكّ توكيل. يستجوبهم. ويحرر معهم وباسمهم مذكرات جلب وإحضار بحق المطلوبين إلى العدالة أمام محكمة التاريخ...فوراء كل مقهور قاهر. ووراء كل مظلوم ظالم. ووراء كل فقير ثري سرق منه حصته في الحياة. ووراء كل هزيمة "منتصر" يتمتع بالسلطة والجاه والثروة والشهرة.ووراء كل جدار مخبر. وتحت كل حجر تقرير سري إلى " سيدي الوالي المبجل ".
4 هذا شاعر يخوض وحيداً حرباً ضد كل قوى القهر باسم كل المقهورين دون أن يعقد حلفاً مع أحد. وهي حرب لا متناهية في القدم، لا متناهية في الإستمرار. خاضها قبل أن يولد ويتابعها بعد أن يرحل. لا هدنة فيها، ولا تسوية، ولا تنازل، ولا صلح، ولا اعتراف، ولا "كامب". وليس فيها إلا غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم.
5- هذا شاعر انتحاري ذهب إلى الحرب متخليا عن الأسلحة التقليدية. لا مدفعية ثقيلة بعيدة المدى. ولا راجمات، ولا قاذفات عابرة للمحيطات، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا قنابل عنقودية أو جرثومية أو كيميائية أو ليزرية أو فراغية. يمتشق سلاحاً فتاكاً صنعه بنفسه، ويعرف سره هو وحده، ولا يحل شفرة معادلته وتركيبته غيره. يصنع كبسولات صغيرة من الشعر النووي شديد الإنفجار، والقصائد المفخخة، يوزعها بعناية على أهدافه الإستراتيجية...واحدة تحت كل عمود من عواميد "الأنظمة"، وواحدة تحت كرسي "الرقيب"، وواحدة خلف مقعد "الوالي"، وواحدة يدسها سراً في جيب "المخبر" السري، وواحدة قرب جدار "السجان"، وواحدة في " جبن الإنسان"، وواحدة في حقيبة " القائد العميل"، وفي حلوق أبطال النفاق، وفي فوهة " كاتم الصوت "، وفي جعبة "الجند" الذين أطلقوا سراح الجثة وصادروا الرأس فقط...وواحدة يخصصها أيضاً لهدف لا يخطر على البال..
(...لعنتُ كل شاعرْ
يغازلُ الشفاه والأثداء والضفائر
في زمن الكلاب والمخافرْ
ولايرى فوهة بندقيةٍ
حين يرى الشفاه مستجيرهْ!
ولا يرى رمانةً ناسفةً
حين يرى الأثداء مستديرهْ!
ولايرى مشنقةً .. حين يرى الضفيرهْ!
**
في زمن الآتينَ للحكم على دبابة أجيرهْ
أو ناقة العشيرهْ
لعنتُ كل شاعرٍ
لايقتني قنبلةً
كي يكتب القصيدة الأخيرهْ! )
ولكن ماذا عنك أنت أيها الشاعر أحمد مطر؟ يجيب:
( قلمي وسط دواة الحبر غاص
ثم غاص
ثم غاصْ.
قلمي في لجّة الحبر اختنقْ
وطَفَتْ جثّتهُ هامدةً فوق الورقْ
روحهُ في زبَد الأحرف ضاعت في المدى
ودمي في دمهِ ضاع سُـدى
ومضى العمرُ ولم يأتِ الخلاصْ.
آه .. ياعصرَ القصاصْ
بلطةُ الجزّارِ لا يذبحُها قطرُ النـدى
لا مناصْ
آن لي أن أتركَ الحبرَ
وأن أكتبَ شعري بالرّصاصْ !)
مجلة الوطن العربي - باريس - العدد (29) الجمعة 2-10-1987
******
شاعر جديد يلفت الأنظار
بقلـم : رجـاء النقـاش
أحمد مطر .. شاعر جديد بدأ اسمه يلمع منذ سنوات قليلة، وأصبح اليوم واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، رغم أن صوته الشعري لم يصل إلى مصر حتى الآن، بل لعله لم يصل إلى كثير من العواصم العربية الكبيرة، وذلك لأنه يعيش مغترباً منذ بداية حياته الأدبية، وهو الآن يعيش في لندن، ويعمل محرراً ثقافياً للطبعة الدولية من جريدة " القبس " الكويتية، وعندما فكرت في الكتابة عنه، لم أجد أي معلومات عن حياته، ولم أجد أمامي سوى ديوانه الوحيد ( لافتات )، وبعض قصاصات من قصائده التي تعودت على جمعها من الصحف، منذ أن لفت نظري شعره الجميل، وقد التقيت بالشاعر مرة واحـدة سنة 1984 في الكويت، في بيت أحد الأصـدقاء، وسمعت منه بعض شعره، وكانت قصائده كما أعرفها حادة وغاضبة، أما هو فقد كان شاباً وديعاً بالغ التهذب والحياء ، مما جعلني أزداد يقيناً بأن الأفكار العاصفة والمشاعر العنيفة ليست بحاجة إلى إنسان صاخب شديد الصراخ لكي يعبر عنها، فعواصف الفكر والفن مكانها القلوب والعقول، وليس مكانها تشنجات في الصوت أو في اليد والوجه كما يفعل بعض الأدعياء.
وكنت قد سمعت من البعض أن الاسم الذي يوقع به الشاعر ( أحمد مطر ) ليس اسماً حقيقياً وإنما هو اسم مستعار، ولم أستطع خلال لقائي السريع الوحيد معه أن أعرف شيئاً واضحاً عنه، ولذلك فقد اتصلت به في لندن بعد أن انتقل إليها من الكويت، وطلبت منه أن يكتب لي شيئاً موجزاً عن حياته، وسرعان ما تلقيت منه رسالة هي قطعة من الأدب الجميل، بالإضافة إلى ما توجزه من المعلومات الخاصة بالشاعر نفسه.
وفي هذه الرسالة يقول أحمد مطر:
أخي العزيز .. أبتديك بتحية فيها سلام، معترفاً بجميل فضلك في السؤال عني، بعد مرور وقت طويل على لقائنا الذي لا تزال ذكراه منتصبة في قلب الذاكرة.
وما بين ذاك اللقاء وهذا اللقاء عالم مضطرب بالحوادث والمتغيرات، التي مست الأوطان والأبدان، لكنها - وهذا هو المهم - لم تمس جوهر الإنسان.
لقد تركتني وأنا شيطان رجيم في " جهنم اللاهبة " وها أنت تجدني شيطاناً رجيماً في " جهنم الباردة".
( ملحوظة: يشير الشاعر هنا إلى انتقاله من حر الخليج إلى برودة لندن )
أسعدني جداً أن أسمع صوتك، غير أنني لم أُدهش من كيفية عثورك علي، ذلك لأنك ناقد ومهمتك هي العثور على الشاعر بين ملايين وملايين الكلمات .. وكذلك تفعل عندما تبتغي العثور على شاعر بين قارتين !
أخي الحبيب .. يبدو لي دائما أنني طويل اللسان، لكنني أُفاجأ - دائماً أيضاً - بقلة حيلتي كلما تطلب الأمر مني أن أتحدث عن خصوصياتي الصغيرة.
ربما مرجع ذلك إلى أننا -نحن الفقراء- ليس في سيرتنا الشخصية أية تفاصيل غير عادية، فسيرة الواحد منا - عادة - تمتد من المهد إلى اللحد، وأعني أنه يخرج رجله من المهد ليضعها في اللحد، هذا إذا كان لائقاً بكرامة اللحد أن يستعار كوصف لحياتنا الخالية من الكرامة.
لكنني على أية حال، سأبعث إليك قريباً، صفحات كثيرة عن حياتي ، منذ ميلادي حتى وفاتي (!)فسيرتي كما أعتقد ليست خالية تماماً مما يثير الضحك والسخرية .. والإفتخار أحياناً.
أما الآن، وعلى هذه العجالة، فيمكنني أن اجتزىء ما أعتقد أنه نافع بالنسبة لما أنت في صدده:
- أول شيء هو أن الكثيرين يعتقدون بأن " أحمد مطر " هو اسم مستعار، وكأنهم يستكثرون على المواطن العربي أن يذكر اسمه الصريح حتى إذا أراد أن يعلن عن شهيقه وزفيره !
وعليه فإنني أؤكد لك هنا أن " أحمد مطر " هو اسمي القح !
- الأمر الآخر هو أن الكثيرين ، وخصوصاً ممن كتبوا عن شعري ، لم يتفقوا حتى الآن على جنسيتي، وإن كانوا يتفقون على أنني أستعرض الوجع العربي بشكل عام، وأحرض الموجعين على الإنعتاق.
ولا تدري كم أنا سعيد بهذا، فجميل جداً أن يكون المرء شاعراً في خدمة أمّـة لا ممثلاً لقبيلة معينة.
كتبوا أنني كويتي، ولبناني، وفلسطيني، ومصري، وسوري، وسعودي، لكن واحداً فقط، هو الدكتور عبده بدوي، قال إنني عراقي.. وهذا هو الصحيح، من حيث بطاقة الهوية وشهادة الجنسية، أما إذا شئت الدقة حقاً ، فأنا جميع هؤلاء يضاف إليهم العرب الآخرون.
لك محبتي الخالصة، ولي أمل بأن يجمعنا لقاء قريب هنا أو هناك.
**
تلك هي رسالة أحمد مطر الجميلة وفيها كل ما أعرفه عنـه وعن حياته.
أما عن قصائده، فإن هذه القصائد تقدم إلينا أحمد مطر، شاعراً سياسياً من الدرجة الأولى، وهو يعلن عن ذلك في صراحة ووضوح، عندما يقول:
فأنا الفن ،
وأهل الفن ساسـه.
فلماذا أنا عبـدٌ
والسياسيون أصحاب قداسه ؟
وأحمد مطر في هذه الأبيات يذكرنا بأعظم شاعر سياسي في الأدب العربي، وهو أبو الطيب المتنبي، الذي عاش حياته متنقلاً مغترباً ومات قتيلاً، لإصراره على أن الشاعر ينبغي أن يكون مكانه مساوياً لمكان السياسيين وأصحاب السلطة، وفي ذلك يقول المتنبي بيته الشهير وفؤادي من الملوكِ وإنْ .... كان لساني يُرى من الشعراء).
فالفكرة التي يحملها أحمد مطر في قلبه، هي نفسها فكرة المتنبي، وهذه الفكرة هي أن الكلمة ترفع صاحبها إن كان موهوباً إلى مصاف الحكام وأصحاب السلطة والقرار، والكلمة ترفع صاحبها أكثر وأكثر، إذا كان ينطق بالحق ويقول الصدق ويرعى أمانة الضمير.. وندعو الله أن يحفظ أحمد مطر، وألاّ يكون مصيره هو مصير المتنبي، فيطعنه أحد الحاقدين في الظهر أو في الصدر ويقضي عليه !
وكل شاعر سياسي لابد أن تكون له قضية واضحة محددة، فهذه القضية لو كانت غامضة ومعقدة، فإنها تفقد أهميتها وقيمتها وقدرتها على التأثير، كما أن الشاعر ينتقل بالتعقيد والغموض إلى (متصوف) أو إلى (فيلسوف) أو أي شيء آخر غير أن يكون شاعراً سياسياً له جماهير كبيرة تتأثر به وتنصت إليه، وكل الشعر السياسي في الأدب العربي والأدب العالمي ، هو " شعر القضايا الواضحة المحددة " ، حيث لا يجد القارىء - مع هذا الشعر - صعوبة في فهم القضية أو التعرف على ملامحها المختلفة، وذلك ما نجده في شعراء المقاومة الفلسطينية من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وذلك ما نجده عند الشعراء السياسيين في العالم من أمثال " مايكوفسكي " في روسيا و " والت ويتمان " في أمريكا الشمالية، و " بابلو نيرودا " في أمريكا اللاتينية، و "ناظم حكمت " في تركيا، و " أراجون " في فرنسا، وكلهم من الشعراء الذين ترجموا إلى العربية، ويعرفهم القارىء العربي معرفة تسمح لنا بالحديث عنهم والإشارة إليهم .. وهؤلاء جميعاً يكتبون عن قضايا واضحة محددة امتلأ بها وجدانهم وامتلأت بها عقولهم وأرواحهم.
فما هي قضية أحمد مطـر ؟
قضيته تلخصها كلمة واحدة (الحرية) .. حرية الإنسان في أن يقول ما يؤمن به، ويعلن ما يراه، دون قيد أو خوف .. وإذا أردنا أن نستخدم المصطلحات السياسية فإننا نقول إن قضية الشاعر هنا هي ( الديموقراطية وحقوق الإنسان) .
وهذه القضية الرئيسية هي مصدر الإنفجار الشعري عند أحمد مطر .. فلن يكون هناك مجتمع عربي سليم إلا إذا تحققت حرية الإنسان، ولن نتخلص من قيود التخلف والإستعمار بإشكاله المختلفة، ولن نقضي على مرارة الهزائم التي تلاحقنا من ميدان إلى ميدان ومن عصر إلى عصر إلا إذا تحققت هذه الحرية للإنسان العربي، فلا يحس في عقله وقلبه بأن هناك من يهدده أو يخيفه أو يتوعده بأن يدفع ثمن حريته .. إن الشاعر هنا لا يريد أبداً أن يكون الإنسان العربي مجرد صدى لرأي قاهر أو قوة مخيفة يردد ما يقال له ترديداً أعمى، ولا يخرج على نطاق الحدود التي ترسمها له هذه القوة المفروضة عليه.
إن القضية المحورية في شعر أحمد مطر هي حرية التعبير عن النفس بلا خوف من العقاب.. ولقد تحولت هذه القضية عند الشاعر إلى كابوس عنيف شديد القسوة، فشعره يقوم على رفض كل قيد يعوق استقلال الإنسان العربي وحقه في النقد والإعتراض، والشاعر يدرك أنه لا يستطيع أن يقول شعره داخل العالم العربي بهذه الحدة وهذا العنف، ثم يعيش بعد ذلك آمناً ، ولعل الشاعر هو واحد من المؤمنين بكلمة " جوركي " التي يقول فيها ( لقد جئت إلى العالم .. لأعترض ).
وهذا الكابوس الذي يحمله أحمد مطر -كالجمرة- في روحه وشعره، هو الذي دفعه إلى كتابة قصيدته " مدخل " التي قدم بها ديوانه الشعري المثير " لافتات " ، وفي هذه القصيدة يقول عن قصائده " السبعين " التي يضمها ديوانه :
سبعون طعنةً هنا موصولة النزفِ
تُبـدي ولا تخفي
تغتال خوف الموت في الخوفِ
سميتها قصائدي
وسمها يا قارئي : حتفي
وسمّني منتحراً بخنجر الحرفِ
لأنني في زمن الزيفِ
والعيشِ بالمزمار والدّف
كشفت صدري دفتراً
وفوقـهُ ..
كتبتُ هذا الشعر بالسيفِ !
والقصيدة كما هو واضح تصور " جواً مأساوياً " ويكفي أن نلتفت إلى " قاموسها اللغوي " لنجدها مليئة بألفاظ مثل : الطعنة، النزف، الخنجر، الإغتيال، الموت، الإنتحار، الخوف، السيف. كل ذلك رغم أن القصيدة لا تزيد على أحد عشر بيتاً .
وقضية الحرية عند الشاعر تتصل أشد الإتصال بما عاناه العقل العربي والوجدان العربي من شخصية " الرقيب " ، وهو ذلك الكائن المفترس، الذي تعود على أن يحذف كل كلمة تثير الشك أو توحي بالمعاني الحرة التي لا يرضى عنها الرقباء الأشداء، ومن كثرة ما عانى الإنسان العربي من هذا كله أصبح الرقيب كائناً داخلياً، يعيش في عقل الإنسان وقلبه ، ويشاركه في الطعام وغرفة النوم. وهنا نجد تجسيداً فنياً جميلاً لحالة الإنسان الخاضع للرقابة والقهر العقلي والنفسي في قصيدة أحمد مطر التي يقول فيها :
قالَ ليَ الطبيب
خُذ نفساً
فكدت - من فرط اختناقي
بالأسى والقهر - أستجيب.
لكنني خشيت أن يلمحني الرقيب
وقال : ممَ تشتكي ؟
أردتُ أن أُجيب
لكنني خشيت أن يسمعني الرقيب
وعندما حيرته بصمتيَ الرهيب
وجّه ضوءاً باهراً لمقلتي
حاولَ رفع هامتي
لكنني خفضتها
ولذت بالنحيب
قلت له : معذرة يا سيدي الطبيب
لكنني
أخافُ أن .. يحذفه الرقيب !
فالرقيب عند أحمد مطر لا يحذف الكلمات فقط، ولكنه يحذف الرؤوس أيضاً.
والرقيب ليس شخصاً ولكنه " حالـة " يعيش فيها الإنسان العربي ويئن تحت وطأتها ويعاني منها أشد المعاناة، وهذه الحالة هي بالنسبة للشاعر أحمد مطر موقف ماساوي كامل يشل الإنسان ويحول بينه وبين ممارسة دوره في الحياة، فكيف يمكن لإنسان خائف مشكوك في أمره، مراقب من الداخل والخارج على الدوام، أن ينتج أو يساهم في بناء الحضارة ؟
وهذه الصوة المأساوية الكابوسية هي التي يصورها أحمد مطر مرة أخرى في قصيدته " صدمـة " حيث يقول :
شعرتُ هذا اليوم بالصدمه
فعندما رأيتُ جاري قادماً
رفعتُ كفي نحوهُ مسلماً
مكتفياً بالصمت والبسمه
لأنني أعلم أن الصمت في أوطاننا .. حكمـهْ
لكنهُ رد عليَّ قائلاً :
عليكم السلام والرحمـه
ورغم هذا لم تسجل ضده تهمه .
الحمد لله على النعمـه
مـن قال ماتت عنـدنا
حُريّــة الكلْمـهْ ؟!
إن الشاعر هنا يعيش في صراع حاد بين إصراره العميق على أن يكون مستقلاً يعبر عن نفسه بحرية وصـدق، ودون أن يشعر أنه مجرد كائن يتلقى أوامر وتعليمات عليه أن ينفذها رغم إرادته ودون تفكير .. يعيش الشاعر في صراع بين هذه الرغبة العميقة في داخله وبين ما يمكن أن نسميه باسم " أدب الدعاية" الذي يتحول فيه الفنان إلى أداة يستخدمها الآخرون ويوجهونها، والشاعر هنا يدرك صدق ما قاله الروائي الإنجليزي " جورج أورويل " من أن كل الدعاية كذب حتى عندما ينطق الداعية بالصدق . وهذا الصراع بين " الأدب الصادق " و "الدعاية " .. هو مشكلة حقيقية يعاني منها الفن العربي المعاصر أشد المعاناة، وهي معاناة ظاهرة يحس بها الجميع ، وليس أحمد مطر في شعره الغاضب المتألم إلا ثمرة حية من ثمار هذه المعاناة. إن الفن العظيم يرفع صاحبه إلى مستوى القيادة، ومن هنا فإن الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون تابعاً على الإطلاق، لأن حالة التبعية هذه تتناقض جوهرياً مع روح الفن .. والفن العظيم المؤثر لا يولد إلا إذا كان الفنان حراً، وكانت حريته هذه عميقة في داخله، بحيث لا يشعر أن أحداً يفرض عليه شيئاً أو يخيفه أو يؤذيه، فلحظة الإبداع الفني هي نفسها لحظة الحرية في داخل الفنان .. وإذا عجزت المجتمعات أو النظم السياسية عن فهم هذه الحقيقة فإن الفن يتدهور وينهار ويضيق أمامه الأفق إلى أبعد الحدود، أما الحضارات التي تقدر هذا المعنى الكبير، وهو أن الفن حرية داخلية عند الفنان، لا تحيط بها قيود أو مخاوف ومحاذير، فأن هذه الحضارات هي التي تنعم بالفن العظيم القادر وحده على التاثير في الإنسان .. ولقد فشلت كل المؤسسات التي حاولت أن تجعل من الفنان أداة تابعة في أن تخلق أدباً رفيعاً له قيمة حقيقية، وقد فشلت هذه المؤسسات في جميع أنحاء العالم، شرقاً وغرباً، سواء كانت هذه المؤسسات جمعيات رسمية أو منظمات سياسية أو أجهزة أمن. فالحرية واستقلال الفنان ثم انتماؤه الإختياري إلى ما يؤمن به من المواقف والقضايا والآراء .. تلك كلها شروط لا يولد بغيرها فن ولا يزدهر أدب أو ثقافة.
**
ونواصل رحلتنا بعد ذلك مع أحمد مطر وشعره السياسي، فالشاعر السياسي، إلى جانب قضيته الأساسية، لابد أن تكون له صلة قوية مع جمهور من الناس يخاطبهم ويكتب لهم، بينما نجد الشاعر الذي تشغله أمور الفكر أو الفلسفة أو الحالات النفسية المعقدة، لا يعبأ كثيراً بالجمهور الكبير، وقد لا يحزنه أو يؤذيه أن يرى جمهور شعره قليلاً محدوداً، بل ربما وجد في الجمهور المحدود ميزة وقيمة .. فهو شاعر صفوة " ونخبة وأقلية ذات فكر رفيع وثقافة عالية " .. وعندما نقارن بين شاعر مفكر مثل " إليوت " وشاعر سياسي محرض مثل " مايكوفسكي " نحس بالفرق.. فقد كان " إليوت " في قصائده الكبرى مثل قصيدته " الأرض الخراب " يتوجه إلى الصفوة، لذلك لم يكن يعنيه أو يؤلمه أن تكون دائرة قرائه محدودة وضيقة .. بينما كان " مايكوفسكي " يلقي شعره في الميادين العامة ، يستمع إليه الآلاف من الناس ويتجاوبون معه ومع قصائده بحرارة، ومن هنا كانت علاقة الشاعر السياسي بجمهوره الكبير الواسع أمراً يفرض عليه العناية الشديدة بما أشرنا إليه من الوضوح، فلا يمكن مخاطبة الآلاف من البشر عن طريق الصور الغامضة والأفكار المعقدة .. ومن ناحية أخرى فلا بد للشاعر السياسي مادام يضع في حسابه الجمهور الكبير وضرورة مخاطبته والتأثير عليه أن يستخدم " موسيقى شعرية " ظاهرة، لأن الإيقاع الحاد هو عنصر أساسي من عناصر التأثير في الشعر السياسي ذي الجمهور الواسع العريض .
وهذه الملامح كلها متوافرة في شخصية أحمد مطر الشعرية . فبالإضافة إلى وضوح شعره فإنه يتميز بالموسيقى الحادة القوية والإهتمام بالقافية القاطعة العنيفة .. إن أحمد مطر لا يلقي شعره في الميادين العامة، ولكنه يفعل شيئاً مشابهاً، فكل أشعاره منشورة في الصفحة الأولى من جريدة صباحية يومية جنباً إلى جنب مع المقال السياسي وافتتاحية الجريدة التي تعلق فيها على الأحداث الجارية.
وهذا نموذج آخر من شعر أحمد مطر، يكشف لنا إلى جانب النماذج السابقة، ما في هذا الشعر من وضوح وسلاسـة وسهولة وتركيز وموسيقى حادة ظاهرة، ففي قصيدته " قلـم " يقول أحمد مطر :
جس الطبيب خافقـي
وقال لي :
هل هاهُنا الألـم ؟
قلت له : نعم.
فشقّ بالمشرط جيب معطفي
وأخرج القلم !
هـزّ الطبيبُ رأسهُ .. ومال وابتسم
وقال لي :
ليس سوى قلم
فقلتُ : لا يا سيـدي
هذا يـدٌ .. وفـم
رصاصـةٌ .. ودم
وتهمـةٌ سافرةٌ ..تمشي بلا قـدمْ !
فالقصيدة هنا واضحة، قصيرة، وشديدة التركيز .. موسيقاها يسيطر عليها الإيقاع العنيف والقافية الحادة، وهذه الخصائص كلها تسهل لهذا الشعر الإنتشار حتى لو تعرض للمصادرة، فمن السهل حفظ هذه القصيدة ونقلها من مكان إلى مكان عن طريق الرواية الشفوية.
**
نلتقي بعد ذلك بعنصر أخير هام في شعر أحمد مطر، ذلك هو العنصر الذي يجمع بين السخرية التي تشبه ما نسميه بالكوميديا السوداء، وبين الإدهاش ومفاجأة القارىء بالصور التي تصدمه فتوقظ عقله ووجدانه، وهو يعتمد في ذلك كله على كشف التناقض بين ما هو واقع وبين ما هو قائم في النفس والعقل، فالكرامة عندنا - كما هو مألوف - مقدسة ونبيلة، ولكن الشاعر، يصدمنا ويدهشنا ويجرحنا ويفاجئنا في قصيدته " طبيعة صامتـة " :
في مقلب القمامـه
رأيتُ جثـة لها ملامـحُ الأعراب
تجمعت من حولها " النسور" و " الدِباب"
وفوقها علامـه
تقولُ : هذي جيفـةٌ
كانت تسمى سابقاً .. كرامـه !
وفي قصيدة أخرى يقول بنفس الأسلوب والتركيز :
لقد شيّعتُ فاتنـةً
تسمّى في بلاد العُربِ تخريباً
وإرهابـاً
وطعنـاً في القوانين الإلهيـه
ولكن اسمها
واللـه
لكن اسمها في الأصل .. حريه !
إن أحمد مطر شاعر جديد يلفت الأنظارَ حقـاً، وهو مليء بالغضب الساطع الصادق ضد ما يعانيه الإنسان العربي من قهر وظروف قاسية، فأحمد مطر هو ثمرة الوضع الذي جاع فيه العربي في المخيمات الفلسطينية حتى أكل لحم القطط والكلاب، وأوشك أن يأكل لحم أخيه ميتاً، والشاعر هو ثمرة الإغتيالات التي يتعرض لها المثقفون والمفكرون وأصحاب الراي، منذ أن قتل الفنان غسان كنفاني في انفجار سيارته التي كان يقودها في الطريق إلى عمله، إلى أن قتل الناقد الباحث حسين مروة وهو في السابعة والسبعين من عمره بين أولاده وزوجته، عندما دخل القاتل عليه بيته وأطلق الرصاص على صدره وأهل البيت ينظرون في ذهول إلى ما يجري أمامهم .. .. .. وهو ثمرة هذا العصر الذي يموت فيه الآلاف من العرب - بسبب الجفاف - بحثاً عن قطرة ماء يشربها الظمآن ، وطلباً لقطعة خبز يأكلها الجائع.
إنه شاعر مأساة حقيقية .. وهو يصرخ بشعره في البرية .. طلباً للكرامة والحرية .. ولعل شعره الصادق الصارخ يكون إنذاراً بوضع حد للمأساة التي يعيشها الإنسان العربي.
وبعد .. فإن ديوان لافتات لأحمد مطر لم يدخل سوى عاصمتين عربيتين فقط من بين اثنتين وعشرين عاصمة، فقد طبعته الكويت وسمحت له القاهرة بالدخول .. ويوم أن يتاح لمثل هذا الشعر أن يدخل كل العواصم العربية فسوف يكون ذلك إشارة إلى أن عصراً عربياً جديداً قد بدأ .
.

قبل أن أسترسل في باقي موضوعنا – الشاعر أحمد مطر..أحب أن أهديكم من أحدث قصائد شاعرنا ..لعلمي أن الكثير من الآخوة لم يطلع عليها..
ونعود في وقت لاحق باذن الله .. لاستكمال باقي البحث.
اليكم القصيدة....
مِن أوباما..لِجَميعِ الأعرابِ شُعوباً أو حُكّاما:قَرْعُ طَناجِرِكُمْ في بابيأرهَقَني وَأطارَ صَوابي..افعَل هذا يا أوباما..اترُك هذا يا أوباماأمطِرْنا بَرْداً وسَلامايا أوباما.وَفِّرْ للِعُريانِ حِزاما!يا أوباما.خَصِّصْ للِطّاسَةِ حَمّاما!يا أوباما.فَصِّلْ للِنَملَةِ بيجاما !يا أوباما..=====قَرقَعَةٌ تَعلِكُ أحلاماًوَتَقيء صَداها أوهَامَاوَسُعارُ الضَّجّةِ مِن حَوْليلا يَخبو حتّى يتنامى.! وَأنا رَجْلُ عِندي شُغْلٌأكثَرُ مِن وَقتِ بَطالَتكُمْأطوَلُ مِن حُكْمِ جَلالَتِكُمْفَدَعوني أُنذركُمْ بَدءاًكَي أحظى بالعُذْر ختاما:"لَستُ بِخادمِ مَن خَلـَّفَكُمْلأ ُساطَ قُعوداً وَقياما.لَستُ أخاكُمْ حَتّى أُهْجىإن أنَا لَمْ أصِلِ الأرحاما.لَستُ أباكُمْ حَتّى أُرجىلأكِونَ عَلَيْكُمْ قَوّاما.وَعُروبَتُكُمْ لَمْ تَختَرْنيوَأنا ما اختَرتُ الإسلاما!فَدَعوا غَيري يَتَبَنّاكُمْأو ظَلُّوا أبَداً أيتاما!=======أنَا أُمثولَةُ شَعْبٍ يأبىأن يَحكُمَهُ أحَدّ غَصبْاً..!!و نِظامٍ يَحتَرِمُ الشَّعبا.وَأنا لَهُما لا غَيرِهِماسأُقَطِّرُ قَلبي أنغاماحَتّى لَو نَزَلَتْ أنغاميفَوقَ مَسامِعِكُمْ.. ألغاما!فامتَثِلوا.. نُظُماً وَشُعوباًوَاتَّخِذوا مَثَلي إلهاما.أمّا إن شِئتُمْ أن تَبقوافي هذي الدُّنيا أنعاماتَتَسوَّلُ أمْنَاً وَطَعامافَأُصارِحُكُمْ.. أنّي رَجُلُفي كُلِّ مَحَطّاتِ حَياتيلَمْ أُدخِلْ ضِمْنَ حِساباتيأن أرعى، يوماً، أغناما!
.
تسلم يدك اخوي

تابع ..الحلقة الثانية
قالوا عنه :
* مجلـة المصـور - القاهرة- 17-4- 1987
شاعر النحــرين!
شاعر النهرين, هذا هو الوسام الذي تقلده ؛الاتجاه الآخر« للشاعر العراقي الكبير أحمد مطر الذي دأبت على نشر روائعه في صفحاتها الثقافية أو في صفحتها الأخيرة,
وشاعر النهرين ليس احتفاء بالمكان وحسب, بل احتفاء بالزمن المنساب مع قطرات دجلة والفرات منذ أن خطهما جناحا ميكائيل كما تقول الأسطورة ..
حتى بصرة أحمد مطر التي هي بصرة السياب حيث يتعانق النهران في قرنتها, حريصان على مغادرة العراق جسدا واحدا , نهرا واحدا , شطا واحدا ,
لا نهرين..
شاعر النهرين هذا, قادم من زمن سحيق, وربما قادم من زمن آت, لا فرق, فهو خارج السفر, يفوح بعبق السومريين والأكاديين والبابليين,
على ياقته أبيات مسروقة من ملحمة ؛هو الذي رأى« وعلى جبينه وشم لا يفك طلاسمه سوى شيوخ أدد,
إذ أنه نسخ للوح الرابع من مسلة حمورابي, في هجائه مرارة المتنبي وفي عينيه بريق طرفة بن العبد,
تحت إبطيه أسى ابن زريق البغدادي وبين ضلوعه سقم السياب ولوعة البياتي,
بين كلماته عنفوان الجواهري وعلى شفتيه بذاءات حسين مردان المحببة وعلى عروة جاكيته وردة عبد الأمير الحصيري..
التي جرفها دجلة ذات مساء مع آخر القصائد التي لم يتمكن الشعراء الخصيان من سرقتها.
شاعر النهرين هذا, تكثيف لعفوية فدعة ونشيج النواب وعذوبة رشدي العامل وخجل سعدي يوسف,
انكفاء بلند الحيدري وضجيج نصيف ؛خابصها« وحيرة رباح نوري, تردد زاهر الجيزاني,
ومعرفية صادق الصائغ وأناقة هاشم شفيق اللغوية, تمثيلا لأكاذيب سلام كاظم الملوثة بأغلى عطور النساء ..
وهروب عبد الحميد الصائح نحو الناصرية وبحث محمد مظلوم عن هزائم وهمية وارتداء كمال سبتي لجبة الصعاليك الفضفاضة.
شاعر النهرين هذا, إشراف على تعاويذ عبد الخالق كيطان المباعة في سوق البياتي وجنون عامر عبد الأمير..
الذي خلفته أمل الجبوري في رأسه الصغيرة وتركتهما معا في باب منتدى الأدباء الشباب عند الطالبية لتنعم هي بجنون آخر في عاصمة الرايخ.
هذا هو شاعر النهرين إذا لم أنس سلمان داود محمد وعقيل علي ووسام هاشم ومحمد تركي نصار وسعد جاسم وناجي إبراهيم ..
وحتى آخر الشعراء الذين يشوون قصائدهم على حرارة أجهزة الرونيو في مكاتب الاستنساخ عند الباب المعظم,
لأنه كما قلنا شاعر من زمن ماض أو شاعر من زمن قادم, فهو شاعر.. خارج الزمن..
وهنا.. يبحر الشاعرالكبير مع قرائه عبر الانترنت نحو ضفاف لم تصلها هكذا علاقة من قبل,
ومن حوارات أربعة تمت عبر مواقع الكترونية, تقدم ؛الاتجاه الآخر« الحوار - المكاشفة بين أحمد مطر وقرائه وهم يتجاذبون أطراف الغربة والخوف.
*موقع اتجاهات ثقافية
.

أخي احلام ليتها تتحقق
شكرا لمجهودك الكبير في تقديم شاعر كبير
تجاهلته وسائل الاعلام العربي بشكل محزن لتملأ شاشاتها
وصحفها بشعر التملق لأجل الترزق
أو بشعر الغزل حتى الملل
بدل الصدق
وكذلك يشكر كل عضو يتنازل قليلا عن رغبته في تقديم
مقالاته بقلمه ومن أفكاره وهوا قادر على ذلك
ليقدم لنا مفكرا أوشاعرا كبير فيغنينا ثقافيا
وألوم نفسي أولا
وتحياتي لك وشكرا
كل الشكر لك , أخي الفاضل أحلام ليتها تتحقق على مابذلته هنا
وهذه أجمل هدية لأعضاء المنتدى بإعطاء معلومات ونماذج عن
الشاعر الأروع أحمد مطر .
أمّا إن شِئتُمْ أن تَبقوا
في هذي الدُّنيا أنعاما
تَتَسوَّلُ أمْنَاً وَطَعاما
فَأُصارِحُكُمْ.. أنّي رَجُلُ
في كُلِّ مَحَطّاتِ حَياتي
لَمْ أُدخِلْ ضِمْنَ حِساباتي
أن أرعى، يوماً، أغناما!
وهذه القصيدة رااائعة .
سطرت النثر حتى جفّ قلبي ،،، فلما جفّ قلبي سال عقلي

الشكر الجزيل الاخوة الآفاضل( اليزيدي , الحر , الثاقب ) على التابعة وجميل الرد..ولجميع المتابعين والقراء .
وأبشركم .. بأن في جعبتي الكثير الكثير عن شاعرنا العملاق / أحمد مطر .. فأبقوا في الجوار .. وسنحاول بأذن الله أن نقدم لكم مادة مغرية بالمتابعة وخصوصاً لمتذوقي الفن الراقي ..
ودمتم
__________________
الحلقة الثالثة(ج1)
الحوارات:
الشاعر أحمد مطر لـ" العالـم" :
قصيدتي هي " لافتـة " تحمل صوت التمرد
أجرى الحوار : عبدالرحيم حسن
في الثلاثينات من عمره، متوقـد في غضبه، صـادق في حزنـه، جريء في صوته، ممتلىء بشموخ النخـل العراقي الأصيـل، مطارد من السلطات في كل مكان. ذلك هو الشاعر البصـري أحمـد مطـر.
وبمناسبـة صـدور الجزء الثاني من ديوانـه "لافتــات" وإعادة طبع ديوانه الأول الذي يحمل نفس العنوان، التقتـه "العالـم" وأجرت معـه هـذا الحـوار.
* أحمد مطر صوت صاعد في سماء الشعر العربي. هل لكم أن تعرفوا القراء الكرام بالبدايات والمؤثرات التي أثرت في نشأتكم شاعراً ؟
- معظم ما كتبته في بداياتي صار من الممتلكات الخاصة بالنسيان، بل إن كثيراً من الشعر الذي كتبته بعد ذلك،
ضاع مني بصورة أو بأخرى. لكن يمكنني القول بأن قصائدي الأولى لم تخرج عن نطاق الغزل،
وذلك أمر طبيعي بالنسبة لصبي أدرك منذ أدرك أن الشعر لا يعني سوى الوجد والهيام والدموع والأرق ،
وهو مفهوم شائع بين الناس، تشبعنا به منذ الطفولة. إضافة إلى أن الحب نفسه هو دافع قوي،
بأية حال، على توجيه قصائد جميع الشعراء في بداياتهم، باعتباره القضية الأولى التي يكتشفونها في هذا العالم بسهولة وشغف. على أن نماذج البداية لم تكن جميعها مما يستوقف سامعاً أو قارئاً،
نظراً لضحالة المخزون اللغوي والفني، لدى الصبي الذي تنطح لهذا الفن أولاً ولفقر التجربة ثانياً،
رغم ما يحمله من عاطفة بكر متوثبة. فالعاطفة وحدها لا تصنع شعراً جيداً .
وأنا هنا لا أعتقد أن من التواضع بمكان، أن يقف أحمد مطر، الذي تجاوز الثلاثين لينقد شعر أحمد مطر الذي كان يحبو على الرابعة عشرة، ففي ذلك ظلم كبير كبير، خاصة أن أحمد مطر الصغير كان قد ركب المغامرة بإصرار،واستطاع أن ينجح في أكثر من قصيدة.
أما الحديث عن المؤثرات فهو واسع ومتشعب، وإذا كنت استطيع الإلمام بجوانب من مظاهره - كما أراها - فإن جوانب كثيرة وعميقة ستظل خافية علي،
ذلك لأن النصوص أو الأشخاص أو الأشياء بعامة، تترك آثارها الخفية في أعماق المرء،
وبالنسبة للمبدع ، فإنها تتبدى من خلال أعماله الإبداعية بأشكال وصور تكاد تكون غريبة على الأصل.
وتلك المؤثرات تترافق مع بداياتي ، وأستطيع أن ألم بجوانبها الظاهرة لي كما أسلفت.
من ذلك أنني ولدت في قرية التنومة وسط غابات النخيل بشط العرب وقضيت فيها معظم طفولتي.
ولك أن تتخيل ما يمكن أن توقعه مثل هذه البيئة من أثر في نفس الإنسان،
وما يمكن أن تثيره من عواصف في نفس مؤهلة للشعر: قرية تنضح بساطة،
ورقة، وطيبة، وفقراً، مطرزة بالأنهار والجداول وبيوت الطين والقصب، والبساتين،
وأشجار النخيل التي لا تكتفي بالإحاطة بالقرية، بل تقتحم بيوتها،
وتدلي سعفها الأخضر واليابس ظلالاً ومراوح. كل ذلك بعبارة موجزة: قصيدة فطرية عظيمة،
فياضة بالبراءة والمرح والأحزان الشفيفة. في مزيج غريب وليس بغريب،
فإذا أضفت إلى هذا الحزن العراقي الأزلي، فإنك ستدهش جداً -ولك الحق- إذا استنطقت حجراً شعراً،
فلم ينطق.في مرحلة الصبا، أدرت ظهري مرغماً لتلك البيئة،
لكنني لم أبتعد عنها كثيراً، وهي أيضاً لم تبتعد عني، فقد ظلت أعشاب "بستان صفية" تندلع قائمة في قلبي،
وأمواج "نهر الشعيبي" تصطفق مجنونة في روحي،
والوحشة العذبة الساكنة في غابات نخيل "كردلان" تبسط ظلها على أحاسيسي.
ذلك أثر البيئة الطبيعية، وهو خليق بأن يجعلني أمتطي جواد الرومانسية، وأهيم في براري الأحلام، وهو ما كان فعلاً في البدايات وما تلاها.وكان يمكن أن أواصل على هذا النهج، لكنني ألقيت بنفسي مبكراً في دائرة النار، عندما تكشفت لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب،
ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولاً، وعلى ارتداء ثياب العرس في المأتم ثانياً. فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب، ومنذ ذلك الحين :
كيسٌ من الجلدِ أنا
فيه عظامٌ ونَكَدْ
فوهتهُ شُدت بحبلٍ من مَسـَدْ
معلقٌ بين السماءِ والثرى
في بلدٍ أغفو
وأصحو في بلـدْ !
*تقف قصيدتكم بين الموقف السياسي، المقال الصحفي، أو صوت الشاعر المتمرد. كيف انتهيتم إلى هذه الصياغة الشعرية؟
ولماذا اخترتم شكل اللافتة؟
وهل كان لاشتغالكم في الصحافة دور في ذلك؟
-قصيدتي هي "لافتة" تحمل صوت التمرد، وتحدد موقفها السياسي بغير مواربة،
وهي بذلك عمل إنساني يصطبغ بالضجة والثبات على المبدأ، وعليه فإنني لا أهتم بصورة هذه المظاهرة وكيف تبدو بقدر اهتمامي بجدية الأثر الذي تتركه،
والنتائج التي تحققها. أما كيف انتهيت إلى هذه الصياغة، فينبغي أن أذكر أنني ابتدأت أولاً بالقصيدة العمودية،
من حيث الشكل، ودخلت المعترك السياسي من حيث المضمون، من خلال مشاركتي في الإحتفالات العامة بإلقاء قصائدي من على المنصة ،
الأمر الذي يقتضي الإطالة وشحن القصيدة بقوة عالية من التحريض.
وتلك الإطالة، كانت تتطلب ، بالطبع، الإنتقال من موضوع إلى آخر،من خلال محور عام واسع هو موقف المواطن مما يعيشه إزاء سلطة لا تتركه ليعيش.
إذ ليس من المعقول أن يكتب الشاعر موضوعاً واحداً بتلقائية وعفوية خلال أكثر من مائة بيت.
وهذه الحالة كانت بالنسبة لي عبئاً ثقيلاً، برغم ما تثيره تلك الإطالة من انفعال الناس وحماسهم وتصفيقهم.
فعزمت على أخذ نفسي بالشدة ، بحيث لا أتعدى في القصيدة موضوعاً واحداً،
وإن جاءت القصيدة كلها في بيت واحد، وذلك لكي أخدمه جيداً من ناحية الصياغة،
ولكي أشحنه بكل ما لدي من طاقة فنية ، تجعله سريع الوصول، سريع التأثير،
دائم الحضور في الأذهان . وترافق هذا المسعى لدي مع تحولي إلى قصيدة التفعيلة ..
لكنني لم أفرط في كنوز القصيدة العمودية، بل حملتها معي، وأعني بذلك القافية واتساق النفس الشعري ،
وسلامة الميزان، كما لم أتحلل من انتقاء اللفظة السهلة الدالة، والإبتعاد، ما أمكنني،
عن الإلفاظ الصعبة الغريبة، والتعبير الغامض. ولا أعتقد أن هذا كان بسبب اشتغالي في الصحافة،
فقد بدأ قبل ذلك، لكن يمكن القول بأن عملي في الصحافة قد أعطى هذه الصياغة ثباتاً واستقراراً،
ومهّد لها أرضية صالحة للنمو.
وأعتقد أن هذه المواصفات التي تحملها قصيدتي، هي بصورة ما،
نفس مواصفات "اللافتة" التي يحملها المتظاهرون، من حيث الإيجاز والسهولة والموقف المحدد والحاد،
والهدف التحريضي. لكنها عندي تتخذ رداءها الفني.
* اللافتة التي تحسنون كتابتها شعرياً .. هل هي نموذج مفرد بنفسه، أم أن لها جذوراً في الشعر العربي؟
- لا أدري على وجه التحقيق، وإن كان بعض النقاد قد ذهب إلى أنها نموذج مفرد. الذي أعرفه أن في الشعر العربي العمودي قديمه وجديده،
قصائد جاءت من بيت واحد، أو ثنائيات أو ثلاثيات أو رباعيات ..
إلى غير ذلك. لكن قصائد البيت الواحد أو ما يسمى بالبيت اليتيم، هي قصائد قليلة،
ولم تكن مبنية على أساس تصميم مسبق، بل أن شاعراً ما ،
يبتدىء قصيدة فلا يطاوعه النظم بعد مطلعها، أو يرى أنه قد أفرغ كل ما لديه في ذلك البيت،
بحيث لا يستطيع أن يضيف إليه شيئاً، فيتركه وحيداً.
أما الرباعيات وما شاكلها، فهي تبنى على أساس هندسي واحد، يكون عرضة لزوائد الحشو،
وربما جاء أكثر من رباعية للتعبير عن موضوع واحد متصل.
وبالنسبة لشعر التفعيلة، فإن الإختزال أمر وارد لدى كثير من الشعراء، لكنه ،
غالباً، لا يختص بقصيدة تبدو قصيرة جداً ومتكاملة، بل بمقاطع قصيدة طويلة.
وهذا ما أفعله أنا أيضاً في بعض الأحيان، لكنني أترك مجالاً لجعل كل مقطع قصيدة قائمة بذاتها.
وبعبارة أخرى، تشبه قصيدتي ذات المقاطع ديواناً صغيراً.
كما أنني في جميع قصائدي أمارس الإختزال، مما يجعل هذا صفة شبه ثابتة، لا عملاً يجيء بالصدفة، فلدي قصائد كثيرة لا تستغرق الواحدة منها أكثر من تسع أو عشر كلمات.
* من الملاحظ أن الصورة لديكم مكثفة وتهكمية وشديدة الإتصال بالكاريكاتير. ما هي دوافع تركيزكم على هذه الصياغة ؟
- سبق أن تحدثت عن التكثيف أو الإختزال في قصيدتي، وقدمت مسوغاته.
أما عن كونها تتسم أيضاً بالتهكمية والقرب من أسلوب الرسم الكاريكاتيري،
فأقول أنني بطبيعتي ساخر، والذين يعرفونني يعرفون أن السخرية من طبيعتي حتى في المواقف الدامية.
لا أدري لماذا ؟ هل السخرية نوع من الدفاع عن النفس ؟
ربما يستطيع المختصون بعلم النفس أن يحللوا هذا الأمر أفضل مما أستطيع، لكنني من خلال مطالعاتي ومعايشتي لشرائح من المجتمع،
وجدت أن من يحسنون السخرية والإضحاك هم أكثر الناس امتلاء بالأحزان.
أنا بالطبع لا أرمي إلى إضحاك الناس، بل أكتب على سجيتي من خلال مخزون كلي، فأستعرض شر بليتنا،
وشر البلية ما يضحك أحياناً، لكنه ضحك مر، لأن النكتة مرة سوداء، فهو ضحك من شدة البكاء.
ولعل هذه الصفة قد عبرت إلى شعري بطريق موهبة أخرى، هي الرسم الكاريكاتيري،
الذي مارسته منذ سنين في الصحافة.صحيح أنني تركته،
لكنه كما يبدو أقوى من أن يتلاشى، فهو يختبىء في أعماقي،
وكلما انفتح باب الشعر، مد رأسه إلى الخارج ليثبت وجوده.
لماذا لم تسألني عن أثر القصة القصيرة في قصيدتي؟
ألا ترى شروطها قائمة في معظم قصائدي من بداية ووسط ونهاية ؟
ذلك أيضاً صدى تجربتي في كتابة القصة منذ سنين، والتي سرحتها بإحسان، لكنها بقيت مستقرة في نفسي.
* سبق أن أصدرتم ديواناً بعنوان "لافتات" ولكن الملاحظ أنكم مازلتم تكتبون المزيد من اللافتات. هل ستستمر في هذا الشكل؟ وهل في النية إصدار ديوان جديد؟
- نعم سأستمر .. لأن المظاهرة لم تزل مستمرة. وعندما تستطيع هذه المظاهرة أن تسهم في إسقاط الطواغيت،
فإنني سأعود إلى البيت لأستريح .. وأهنأ بالأمان والطمأنينة.
وفي ظل الأمان والحياة الكريمة، ستتغير أشياء كثيرة منها طبيعة شعري،
فقد أتفرغ لأغني على "ليلاي" وأفيض بوجدانياتي الثرة المخبوءة. وقد يخرج طاغوت جديد من تحت الأنقاض،
فأعود مجدداً لأخرج في مظاهرة لإسقاطه. من يدري ؟!
أما الديوان الجديد .. فقد صدر منذ أيام، كما صدرت الطبعة الثانية من الديوان الأول. الديوان الجديد "لافتات2"
أكبرحجماً من الأول ويضم قصائد أكثر، كما أنه أكثر حدة من الأول،
ولا أعتقد أن بلداً عربياً سيسمح بدخوله أو تداوله، مثلما حصل للديوان الأول وأشدّ.
في الديوان الأول دعوت القارىء إلى أن يسميه "حتفي" .. أما الديوان الثاني فيمكنه أن يسميه "وصيتي" !
* قيل أن أعذب الشعر أكذبه. ما هو رأيكم بهذه المقولة؟ وما هي وظيفة الشعر في رأيكم؟
- الناقد الذي قال قديماً إن " أعذب الشعر أكذبه "
لم يكن يقصد بالطبع جانبه الأخلاقي أو الوطني أو المبدئي إطلاقاً،
إنما قصد الجانب الفني الجمالي في الشعر، وهو بهذا لم يخطىء ،
فكثير من موارد البلاغة هو كذب جميل، لكنه كذب وظيفته إيصال الحقائق بصور مدهشة وعذبة،
لأن الحقائق مهما سمت، لا تصنع شعراً. أما إذا غدت تلك العبارة النقدية ذات النية الحسنة،
عباءة فضفاضة يتلفع بها كل مدلس ومنافق ومتملق ومرتزق، فينبغي أن نصرخ ملء أفواهنا أن ..
" أعذب الشعر أصدقه " لأن وصف حاكم ظالم بأنه عادل،
أو وصف حكومة جائرة بأنها منصفة، وفق كل أساليب البلاغة الجميلة،
هو أمر لاصلة له بالعذوبة لكنه ذو صلة بالعذاب.
وذلك ما يحملنا على احتقار جماليات مثل تلك القصائد بسبب قباحات مواضيعها.
فكما أن الصدق وحده بغير جمال ، لا يكفي لصناعة شعر جيد،
كذلك لا يكفي الجمال وحده دون صدق، لصناعة شعر جيد.
وربما يكون انحيازنا للصدق القبيح مسوغاً أكثر من انحيازنا للجمال الكاذب.
بعبارة موجزة: قد تكون المرأة جميلة جداً وعفيفة جداً، وقد تكون غير ذات جمال لكنها عفيفة ،
وقد تكون جميلة عاهرة.
أنا مع الأولى والثانية .. لكنني، باية حال، لست مع الأخيرة.
* ما رأيكم بعلاقة الشاعر بالسلطة؟ وما رأيكم بالشعراء العرب المعاصرين؟
- الشاعر الذي لا يدرك أنه سلطة فوق كل سلطة، ولا يحيا أو يعمل وفق هذا الإدراك، عليه أن يتجه للإشتغال بأي مجال إلا الشعر. الشاعر ضمير الأمة والبوصلة الدقيقة الحساسة التي تشير إلى حقيقة الإتجاهات،
مهما اختلفت الفصول وتغيرت الأنواء، ولا قانون يحكمه أصلاً إلا ما يحكم حركة مؤشر البوصلة من قوانين.
وإذا وقع الخلاف بين الشاعر والسلطة، على هذا الأساس، فإن السلطة هي الخطأ،
وإن الشاعر هو الحق. فلا يمكن أن توضع الأمة في كفة ميزان، والسلطة في كفته الأخرى،
وتتوازن الكفتان. الأمة هي الأثقل دائماً، والشاعر هو الأمة.
ومن نافلة القول أن أشير إلى أن الأمم تبقى دائماً، وإن السلطات تزول أو تتبدل. ويبدو لي أن معظم الشعراء العرب،
قديماً وحديثاً، لم يدرك حقيقة موضعه، وإذا أدركها فإنه يجبن عن إعلانها أو ممارستها. والأغلبية من شعراء العرب المعاصرين،
هي للأسف، تبالغ في الإنحناء للسلطة ، خوفاً أو تطوعاً. أما الأقلية، التي تكاد تعد على أصابع اليدين،
فهي التي ترى أن على الحاكم أن ينحني لها إذا وقف أمامها أو مر بها.
وأنا واحد من هذه الأقلية !
* برز شعراء ينتمون إلى المقاومة أو محسوبون عليها، ولكننا لاحظنا أن تجاوب الجمهور معهم كان محدوداً جداً،
فكيف تفسرون ذلك؟ وهل أن القصيدة الملتزمة سياسياً تفقد جمهوراً كل يوم، أم تكسب هذا الجمهور ؟
- الشاعر الذي ينتمي إلى حركة المقاومة في إطارها الوطني المطلق، لا يمكن..
إلا أن يكون صوتاً صادقاُ ومؤثراً. ومهما كان منطلقه الفكري، لا يمكن إلا أن يتجاوب الجمهور معه.
أما إذا كنت تعني مجموعة أسماء صنعتها أحزاب أو دكاكين ثورية مقفلة،
وجعلتها موظفة بساعات دوام معلومة، للوقوف في واجهات تلك الدكاكين الضيقة،
كموديلات تعرض آخر صيحات أزياء الحزب أو الجماعة الثورية (القبيلة العصرية بتعبير أدق) فأنت محق في ملاحظتك،
وتفسيري لذلك هو عين تفسيري لعلاقة الشاعر بالسلطة. فالشاعر ليس ناطقاً بلسان حال القبيلة.
الشاعر ناطق بلسان حال أمته كلها، والإنسانية بأسرها. الشاعر ليس شرطياً لدى دولة ما.
لكنه سحابة تروي العطاشى من كل لون وجنس ومذهب، وهو شمس تسطع على الدنيا كلها،
سماء وبحراً وأرضاً. والقصيدة الملتزمة سياسياً وفق هذا المفهوم، تجد جمهورها دائماً ..
الجمهور العام لا الخاص.
وقلة تجاوب الجمهور مع من تسميهم شعراء مقاومة، سببه أن هؤلاء الشعراء هم صناعة إعلامية تقوم بها "القبائل العصرية" أكثر من كونهم صناعة موهبة.
لذلك فأنت ترى أن هؤلاء مشهورون، لأن وسائل الإعلام كلها بيد القبائل. لكنهم يفضحون حقيقة هذه اللعبة، كلما التقوا بالجمهور. فوسائل الإعلام من شأنها أن تطلق شهرة امرىء ما، لكنها لا تستطيع، بكل ما أوتيت من قوة، أن تفرض على الجمهور أن يحبه أو يعجب به أو يتفاعل مع ما يقوله.
وعلى هذا الأساس، تجد عدداً كبيراً من الشعراء السياسيين يعبرون إلى أذهان الناس بالطرق السرية،
ويعيشون محبوبين بين الناس، في الوقت الذي تعلن وسائل الإعلام وفاتهم قبل مولدهم.
كما تجد عدداً آخر من الشعراء يفترشون أنظار وأسماع الناس ليل نهار بواسطة وسائل الإعلام،
لكنهم يظلون يراوحون في مواقعهم، فليس من السهل إطلاقاً أن يدخلوا إلى القلوب.
* نلاحظ أن الوسط الثقافي حصر على أسماء معينة. فكيف تم لكم اختراق حالة الهيمنة التي تفرضها بعض الأسماء في الشعر وغيره؟ وهل تعانون من هذه الظاهرة؟
- وهذا السؤال أيضاً مرتبط عضوياً بالسؤال السابق. فإن ما يحكم الوسط الثقافي اليوم هو صورة أخرى مما يحكم أنظمة الحكم أو الأحزاب،
مرة بشكل مباشر مرتبط بنظام الحكم القادر على بذل الأموال الطائلة على الدعاية والإعلان لمن يعمل عبداً متأنقاً لديه،
أو يعمل "برغياً" في آلته. ومرة بشكل غير مباشر،
وذلك على هيئة "مافيا" إعلامية تضم أفراداً متفرقين موزعين على مختلف البلدان وعلى مختلف الوسائل،
ولكنهم موحدون في نطاق قوانين "العصابة" بدوافع اتفاق فكري أو حزبي أو تجاري.
وعندي أن خطر هؤلاء أشد من خطر الأنظمة، لأن الأنظمة تقتل بوضوح وضجة كالطاعون، بينما هؤلاء يقتلون بشكل سري وصامت .. كالإيدز.
لكن هناك عناصر شريفة -تشكل أقلية- لا تزال تحفر هذا الجدار بالإبر
وتكتب بدافع من ضمائرها المجردة من الحَوَل النقدي أو الإنحياز أو المحاباة.
وفي ذلك بعض العزاء. ولا أعتقد أنني اخترقت حالة الهيمنة هذه،
بل إنني بنيت لي كوخاً مجاوراً لقصرها. وهي مازالت تبالغ في بهرج القصر وزينته وصقل زجاجه وتلوين أضوائه ..
أما أنا فلا أزال أقف على باب الكوخ أقدم الماء والطعام والدفء والقوة للسابلة.
لا أرى أنني أعاني كثيراُ من هذه الظاهرة بل أجزم أنها هي التي تعاني مني.
فماذا تعني سعة القصر وأضواؤه وألوانه، مادام الناس لا يرتوون ولا يطعمون ولا يستدفئون إلا في كوخي ؟!
* كيف تقيمون الواقع السياسي العربي والإسلامي والعالمي؟
- الواقع السياسي العربي .. ملعب أمريكي يلعب فيه اثنان وعشرون لاعباً،
فريق منهم في الجهة الشرقية وفريق في الجهة الغربية.
يختلفون ويتناحرون على متابعة الكرة، لكنهم جميعاً يتفقون على قاعدة لعب واحدة.
والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، في هذا المرمى أو ذاك هي كلها في النتيجة لا تخرج عن نطاق الملعب.
أما الواقع السياسي الإسلامي فهو محكمة تضع القرآن في قفص الإتهام وتطلب منه أن يقسم على القرآن أن يقول الحق ولا شيء غير الحق!
أما الواقع السياسي العالمي فهو مسرح يعرض نصاً مؤلفته ومخرجته وممثلته .. أمريكا.
والجمهور في المواقع الثلاثة مربوط إلى الكراسي بالقوة ..
ممنوع عليه التدخين أو المشاركة أو الإحتجاج.ومسموح له فقط بأن يصفق أو يطبل أو يقول "يحيا العدل" !
* ما هي نصائحك إلى : القراء؟ السلطات العربية والإسلامية؟ الشعراء العرب؟ الإعلاميين في المنطقة؟
- للقراء أٌقول : لاتكونوا عبيداً وقد خلقكم الله أحراراً.
وإذا لم تسهم الكلمة التي تقرأونها في إنماء وعيكم واستثارة غضبكم لتغيير هذا الواقع السياسي الشاذ بأيديكم أو ألسنتكم - وذلك أضعف الإيمان - فلا تقرأوا .
وللشعراء العرب أقول ما قاله الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري :
إن الملوك بلاءٌ حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهـم ظلُّ
ماذا تؤملُ من قومٍ إذا غضبوا ... جاروا عليك، وإن أرضيتهم ملّوا
فاستغنِ باللهِ عن أبوابهم أبداً ... إن الوقوف على أبوابهم ذلُّ
وللإعلاميين أقول : إحذروا أن تعبثوا بالحقائق،
واحذروا بلع أطراف الحروف، فالكلمة حساسة جداً،
يمكن تحويلها بلمسة بسيطة غير مسؤولة، من أداة إحياء إلى أداة قتل.
إن عبثاً هيناً بكلمة "إعلام" يحولها ببساطة إلى "إعدام".
إحذروا أن تطعموا أطفالكم من أجور كلمة تقتل ملايين الأطفال!
وللسلطات العربية والإسلامية لا أدري ماذا أقول !
قصائدي هي نصائح لها لو كانت تدرك النصيحة. لكنها تكافئني عليها بالنفي والمطاردة.
إنها لم تستمع إلى نصيحة الله. فهل تستمع إلى نصيحتي ؟!
مجلـة(العالم)- لنـدن ، العـدد 185 - 29-8-1987
...يتبع مع الجزء 2 من حوارات
.

وقت مستقطع بين الحلقات
من أحدث لافتات أحمد مطر
لافتة ... على باب القيامة
نشرت بتاريخ 24/01/2009
بَكى مِن قَهْريَ القَهرُ
وأشفَقَ مِن فَمي المُرُّ
وَسالَ الجَمْرُ في نَفْسي
فأحرَقَ نَفسَهُ الجَمرُ!
بِكُلِّ خَلِيَّةٍ مِنّي
لأهلِ الجَوْرِ مَحرقَةُ ُ
تُزمجرُ : مِن هُنا مَرّوا.
وإنّي صابِرٌ دَوماً على بَلوايَ
لَمْ تَطرُقْ فَمي شكوايَ
لَو لَمْ يَستَقِلْ مِن صَبْريَ الصَّبْرُ!
وَلَستُ ألومُهُ أبَداً
فَرُبَّ خِيانَةٍ عُذرُ!
أَيُسلِمُ ذَقْنَ حِكمَته
لِكَيْ يَلهو بِها غِرُّ؟!
أيأمُلُ في جَنَى بَذْرٍ
تُرابُ حُقولِهِ صَخْرُ؟!
أُعيذُ الصَّبرَ أن يُبلي
ذُبالَةَ قَلبهِ مِثلي
لِلَيْلٍ مالَهُ فَجْرُ!
***
أُشاغِلُ قَسْوَةَ الآلامِ:
ما الضَيْرُ؟
سَتصحو أُمَّتي يَوماً
وِعُمْري دُونَ صَحْوَتِها هُوَ النَّذْرُ.
فتَضْحَكُ دَورةُ الأيّامِ:
كَمْ دَهْراً سَيْبلُغُ عِندَكَ العُمْرُ؟!
أَدِرْ عَيْنَيكَ..
هَل في مَن تَرى بَشَرُ ُ؟
وَهَلْ في ما تَرى بِشْرُ؟
بِلادُك هذِه أطمارُ شَحّاذٍ
تُؤلّفُها رِقاعُ ُ ما لَها حَصْرُ.
تَوَلَّتْ أمرَها إِبرٌ
تَدورُ بِكَف رقّاعٍ
يَدورُ بأمرِهِ الأمرُ.
وما من رُقعَةٍ إلاّ وَتَزعُمُ أنَّها قُطْرُ!
وفيها الشّعبُ مَطروحٌ على رُتَبٍ
بِلا سَبَبٍ
ومقسومُ ُ إلى شُعَب
لِيَضرِبَ عَمْرَها زَيدُ ُ
ويَضَرِبَ زَيْدَها عَمْرو.
مَلايين مِنَ الأصفارِ
يَغرَقُ وَسْطَها البَحْرُ..
وَحاصِلُ جَمْعِها: صِفْرُ!
***
ألوذُ بِصَدْرِ أبياتي
وأُطمعُها وأُطمِعُني
بأنَّ أَتِيَّها الآتي
سَيَهدِمُ ما بَنى المَكرُ
فَيثأرَ بائِسٌ ويَثورَ مُعْتَرُّ.
وَأنَّ سَماءَها لا بُدَّ أن تبكي
لِيَضحَكَ للثَّرى ثَغْرُ.
تَقولُ: اصبِرْ على المَوتى
إلى أن يَبدأَ الحَشْرُ.
فلا عِندي عَصا موسى
وِلا في طَوْعِيَ السِّحْرُ.
سَماؤكَ كُلها أطباقُ أسْمَنْتٍ
فلا رَعْدٌ ولا بَرقٌ ولا قَطْرُ.
وَأرضُك كُلُّها أطباقُ أسْفَلْتٍ
فلا شَجرٌ ولا ماءٌ ولا طَيرُ.
فَماذا يَصنَعُ الشِّعرُ؟!
دَعِ المَوتى
ولا تُشغَلْ بِهَمِّ الدَّفنِ إذ يَبدو
لِعَيْنكَ أنَّهُم كُثْرُ..
بلادُك كُلُّها قَبْرُ!
***
لَقَد كَفَّرتَ إيماني
فَكَفِّرْ مَرَّة يا شَعبُ عن ذَنبي
عَسى أن يُؤمِنَ الكُفرُ!
وقَد خَيَّبتَ آمالي
فَخَيِّبْ خَيْبَتي يَوماً
وقُّلْ لِلشِّعرِ ماذا يَصنَعُ الشِّعرُ:
أنَسألُ عَن عَصا موسى...
وَطَوْعُ يميِننا قَلَمٌ؟!
أنَطلُبُ سِحْرَ سَحّارٍ..
وَمِلءُ دَواتِنا حِبرُ؟!
زَمانُ الشِّعرِ لا يَجتازُهُ زَمَنُ ُ
وَسِرُّ الشِّعرِ ليسَ يُحيطُهُ سِرُّ.
فَرُبَّ عِبارَة عَبَرَتْ
وضاق بِحَمْلِها سفْرُ!
وَرُبَّ هُنيْهَةٍ هانَتْ
وفي أحشائها دَهْرُ!
لَدَى خَلْقِ القَصيدَة تُخلَقُ الدُنيا
وفي نَشْر القَصيدَة يَبدأُ النَّشْرُ!
سَيَنبَعُ هاهُنا حُرٌّ
ويَنبِضُ ها هُنا حُرٌّ
ويَسطَعُ ها هُنا حُرُّ.
وَتُشرِقُ ثُلَّةُ الأحرارِ كالأسحارِ
تَحفِرُ في جِدارِ اللّيْلِ بالأظفارِ
حَتّى يُبهَتَ الحَفْرُ.
فَتَطلُعُ طَلعَةُ الآفاقِ مِن أعماق بُرقُعِها
وَيَهتِفُ ضِحْكُ أدمُعِها:
سَلاماً.. أيُّها الفَجْرُ
.
الشكر الجزيل لك ياأيها الأستاذ الفاضل
أعتقد أن من واجبنا أن نفعل كما فعلت أنت ونعرف جميع من يدخل منتدانا بأهم الشعراء الذين لم تنصفهم وسائل الأعلام
وهاأنا أعلنها دعوة لكل من يتذوق الشعر من أخواني وأخواتي الأعضاء أن يعطينا سيرة حياة شاعر قديما كان أم حديثا يظن انه لم يؤتى حقه الذي يستحقه في أن يعرف شعره ويذاع صيته ولو بنبذة مختصرة عن حياته وبعض من أشعاره
وشكرا مرة أخرى لك ياأخي العزيز
أمحيط يحتضن سفيني... تاهت بجهاته منسية


الحلقة الثالثة (ج2)
الحوارات(1)
الشاعر أحمد مطر لـ" الحـدث" :
لندن ليست أكبر مني .. ومباهجهاليست أكثر من آلامي !
كتب علي المسعودي:
1
إذا كان "بدر شاكر السياب" قد مزق جسد القصيدة، وشكله من جديد،فإن "أحمد مطر" مزق خريطتها، ونقلها من شرفات العشاق وحدائق المحبين وشواطىء المشتاقين،إلى السجون والمعتقلات وأقبية الظلام، وجعلها تشاهد وتشهد على عذاب المُعَذَبين ..ولؤم المعذِبين.كانت القصيدة العربية، طوال ما مضى من زمن، أداة تطريب ولهو ومرح،حتى جاء "أحمد مطر" ليجعلها بياناً ثورياً، وصفعة تفاجىء وجه النائم .. وتدير وجوه الطغاة.وقد اعتادت القصيدة العربية، طوال ما مضى،أن تدخل قصور الأغنياء مطأطئة الرأس، خاضعة، خاشعة، مادحة ..حتى جاء "أحمد مطر" وحولها إلى سكين في الخاصرة .. وطلقة مفاجئة تعكر انتباه حرس الجبابرة.
2
بقدر ما تأثر جيل الكتاب الأخير (من الشعراء وغيرهم) بمن سبقهم ..بقدر ما حاولوا نفيهم وإلغاءهم.
إنك عندما تقول لي مثلاً:إن أسلوب أحمد مطر ماثل في كتاباتك، أنتفض وأحاول بمضي الوقت إلغاء "التهمة" بإلغاء صاحبها.كثيرون الذين يفعلون ذلك.المتأثرون بأدونيس، مثلاً، هم أكثر الناس شتماً له.والذين حاولوا أن يكونوا "نزار قباني" وفشلوا ..كرهوه بأقصى قدرتهم .. والذين مشوا فوق خطوات المتنبي،لم يحاولوا إخفاء آثاره فحسب، بل سعوا إلى نفيه بذاته، وتحويله إلى كذبة لا أكثر.من هنا تبدأ العلاقة الشائكة بيننا وبين أدبائنا. هل من حقنا أن نجابههم بما يستفز من الأسئلة؟لا أخفي أنني بعد إجابات أحمد مطر، أحزنني ما سألت،ووجدت أنني تماديت كثيراً في محاولة النيل وتجريح ما كتب.3
منذ عامين وأنا في حالة بحث عن "أحمد مطر".أعرف أنه في "لندن" .. ولكن أين؟كلفت أحد الأصدقاء القاطنين هناك .. أن يبحث لي عن رقم هاتفه.وبعد شهر، نقله إليّ. ولكن في تلك الفترة كان الهاتف تغير .. وربما السكن.ركزت الأسئلة على مسيرة شاعر قال يوماً " كشفت صدري دفتراً ..وفوقه .. كتبت هذا الشعر بالسيفِ".عن مسيرة شاعر أسس لمناخ جديد في القصيدة العربية، وجمع بين صلافة الكلمة وصلابتها ..برقة الإحساس الدامي.عن مسيرة شاعر أصبحت "لافتاته" رايات تنغرز في صدور الجيل العربي الشاب من الماء إلى الماء ..الجيل الذي يحلم بأرض لا تأكل أبناءها، وبمهجرين يعودون إلى أوطانهم حاملين آمالهم ..لا محمولين في التوابيت.إن شاعراً قادراً على اختزال كل الحزن وهذه المأساة في مقطع شعري محبوك بطريقة تصويرية هائلة ..لابد أن تكون مستعداً بما يكفي لكي تجابهه بأسئلتك.وأحمد مطر، الخارج من الكويت، مازال فيها.مازال طلبة الجامعة الذين كانوا يحملون لافتاته، من أبناء "الوسط الديموقراطي" ..وحتى "الإئتلافية"، يتذكرون أنه كان صوتهم المنادي بالحرية.وزملاؤه في "القبس" مازالوا يحتضنون ذكراه .."سعدية مفرح" تقول، والزهو يفر من عينيها: هذا المكتب الذي أجلس إليه الآن هو مكتب "أحمد مطر".قبل أيام جاءني أحد الأصدقاء العائدين من لندن واعطاني هاتف أحمد مطر،فشرعت في تنفيذ ما كان مؤجلاً فوق لائحة الإنتظار الذي طال.أخي "ماضي" قرأ الأسئلة .. وتولى مهمة محادثة الشاعر في بلاد الضباب (ترى ماذا يرى مطر في الضباب؟)ماضي كسب صداقة الشاعر .. وكسبت أنا فكره المحمول بين الإجابات.
4
يقول أحمد مطر في إحدى إجاباته :
"قارئي هو حبيبي وسندي وقرة عيني .. هو خط دفاعي الأول والأخير، والسد العالي الذي يعصمني من الطوفان. وإنني إلى هذا السد المنيع أسند ظهري باطمئنان .."ولم أسأله عن حقيقة إيمانه بهذا القول ..أو مدى تفاؤله بواقع يصدّق هذه القناعة..ولي أن أتساءل : متى كان القارىء سنداً للكاتب ..ومتى كان الجمهور خط دفاع أول عن نفسه، حتى يكون خط دفاع عن غيره ؟!أترككم مع أحمـد مطر ...
* دعنا نترك أشياء كثيرة تحتاج إلى مقدمات .. وندخل عبر سؤال مراوغ مثل هذا :"مطر .. مطر .. مطرأي حزن يبعث المطر؟"
الفقر ، والسياب، والحزن، وأحمد مطر ..أي علاقة بين ذلك كله؟
- أما جوابي فلن يكون مراوغاً ..وأبتدىء فأقول إن البيتين المذكورين هما من مقطعين مختلفين ..وأنت جمعتهما إمعاناً في تكرار "مطر" لتقول، ضمناً، إن "مطر" يبعث الحزن.حسناً .. ألم يقل الشاعر في ختام مقطعه : " كالحب ، كالأطفال، كالموتى هو المطر "؟المطر ،إذن، يبعث أشياء كثيرة غير الحزن،خذ مثلاً أن كلمة "مطر" لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيراً عن "الغضب" ..لكنها تصبح "غيثاً" في مواضع الرحمة، وتصبح "ودقاً " أو " سحاباً" أو " ماء "إذا مس الأرض الهامدة اهتزت وربت.إعطني مثل هذه الأرض الخصبة الحبلى ببذور النماء، أُعطك غيثاً ..واعطني سنبلة لا تنحني إذا لم تكن مثقلة ببذور الثورة، وخذ مني الرضا كله.أما العلاقة بين من وما ذكرت فهي أن الفقر استفرد بالسياب،وان السياب استنجد بالحزن، وان الحزن استحثه على الغضب،وان الغضب احتاج إلى سلاح .. فلم يكن أمام شاعر أصيل إلا أن يشهر "أنشودة المطر".وأحمد مطر هو قرين هذا الميت جوعاً وتشرداً وقهراً في بلد هو من أغنى بلدان العالم ..فكلاهما نشأ في البصرة وكلاهما فر إلى الكويت، وكلاهما مر بلندن ..لفارق هو أنني قد أجد أكثر من عذر للسياب في تحولاته وانكساراته،لكنني لن أغفر لنفسي أبداً، إذا ألقيت "لافتتي" وأوقفت مظاهرتي،
* " عباس وراء المتراسيقظ منتبه حساس .."
برغم أنهم دمروا كل شيء وراءه وهو "يقظ، منتبه، حساس ".كان ذلك سابقاً. الآن أيضاً دمروا كل شيء .. ولكن هو .. أما زال يقظاً منتبهاً، حساساً"؟- عباس الذي في بالك كان نعمة.. كان لديه، على الأقل، متراس وسيف وبرقية تهديد.سقى الله أيامه ..لو كنت أستطيع لأرسلت إليه سيفاً جديداً حتى يتسلى بتلميعه في وقت فراغه الطويل ..
ألم تسمع أن "العبابسة" أقالوه من وظيفته ؟
.. قالوا إنه محافظ متحجر، يظن أن القضية ستنتصر بمجرد اغتصاب زوجته،وقتل أولاده، واحتلال بيته .. هكذا دون أن يكلف خاطره حتى بالتفكير في نزع ثيابه وجلده ..فما بالك والقضية تتطلب منه أن ينبطح بأقصى ما يستطيع من ضبط النفس،حتى لا يقلق راحة اللص الراكب .. بل وعليه أن يحتاط للأمر، فيعطيه مقدماً .. "دعاء الركوب" !وها أنت ترى أنهم يعلمونه، اليوم، ما كان ينبغي له أن يفعل لكي يكون على مستوى القضية. وإنها لثورة حتى النصب !
* نريد أن نهرب من الواقع إليك .. فنجد الواقع أرحم بكثير مما تكتب :كآبة، وحطام، وانسحاق مهول ..مخابرات، وتجسس، ومخافر بين الكلمة والأخرى في شعرك.دعني أقول لك أن السجن أهون من القراءة لك.
- الواقع أرحم مما أكتب ؟! إذا كنتم ترون هذا فعلاً فلا تهربوا إلي ..مشكلتكم ليست من اختصاصي. أهربوا حالاً إلى طبيب العيون ..أنتم بحاجة إلى نظارات بعرض المغني بافاروتي وبطول الرئيس عبده ضيوف .الواقع زنزانة موصدة مكتظة بالدخان الأسود،وكل ما فعلته هو أنني وصفت هذا الواقع، ودعوت إلى الخروج منه،فما ذنبي إذا كان الوصف يزعج اختناقكم ؟وما حيلتي إذا أمسيتم- لفرط التسمم - تعتقدون أن الدخان هو جزء من مسامات أجسامكم؟هاك قطرة واحدة من طوفان الواقع الأرحم :فتى هارب من الجيش، يحكم عليه بالإعدام،يفرض على أبيه أن يطلق عليه الرصاص، وأن يدفع ثمن الرصاصات،وأن يقيم حفلة بدل المأتم،وأن يرفع صوت آلة التسجيل بأغنية لأم كلثوم بدلاً من القرآن، ثواباً عن روح المرحوم.هل تظن أن أحداً، على مر التاريخ، حظي برؤية شيء كهذا في أسوأ الكوابيس؟الشيطان نفسه، مهما بالغ في حك قرنيه، لا يمكنه أن يوسوس بمثل هذا الواقع الرحيم.فكيف يمكنني،أنا الإنسان الضعيف، أن أوسوس بواقع أسوأ منه ؟إن من يريد الهروب حقاُ، من هذا الواقع، ليس أمامه إلا كسر الباب مهما كانت العواقب ..ولا توجد طريقة أخرى إلا أن يهرب المرء دون أن يتحرك.والشخص الوحيد الذي يمكنه ذلك هو الحشاش.أما من يجد السجن أهون من القراءة لي، فهو واحد من اثنين :* يقول قاسم حداد : " نترك النسيان يأخذنا على مهل .. لئلا نفقد السلوى ".أما أنت فتنسى النسيان، وتحب العيش في عالم كوارثي كئيب، حتى وأنت في لندن.لم ترقق أوروبا مفرداتك ، ولم تجمل قصائدك بخد ناعم، وقوام فارع، وصدر مغرور.أخبرنا بالله عليك .. إلى متى هذه الكآبة ؟
- أما النسيان، على الإطلاق، فقد تركته لأهل الحداثة،إنهم يحتاجون إلى كثير منه لكي يجعلوا القارىء ينسى الشعر نهائياً.وأما " نسيان " قاسم حداد، فأغلب ظني أنه ليس النسيان الذي تعنيه، إذ لا أعتقد أن قاسم حداد ممن ينسون ذاكرتهم .وأما أنني أحب العيش في الكوارث، فهذا غير صحيح.أنا مرغم على هذا العيش .. إذا كنت تسميه عيشاً.وإذا كانت ثمة علاقة حب، فهي من طرف واحد، وهذا الطرف ليس أنا.تقول أن أوروبا لم ترقق مفرداتي ..وأود أن أسألك : كيف ترقق أوروبا مفردات الإنسان؟تكويها على البخار .. أم تذوبها في "الإينـو"؟أعرف أن هناك كثيرين ما أن تطأ رؤوسهم حذاء لندن،حتى ينزعوا جلودهم مثل أكياس الرحلات، ويستبدلوا بقلوبهم مكعبات الثلج ..لكن من أنبأك أنني واحد منهم؟أنا، يا صديقي، رجل أحمل قضية أمتي في كل خلية مني.أنا وطن على هيئة إنسان. لندن ليست أكبر مني، ومباهجها ليست أكثر من آلامي.إذا لم تكن مفرداتي رقيقة، فلأن مشاعري رقيقة.إن حساسية مشاعري تطلب من الهواء أن يكون أقل صلابة ..فماذا تتوقع مني وأنا أستعرض عشرات الديناصورات المثـقلة بالألقاب؟ثم من قال لك إن الجمال لبس كعبه العالي ومضى ليستقر إلى الأبد على أرصفة "الماي فير"؟أليس جميلاً عنفوان الخيول البرية وهي تقتحم كبرياء الريح ؟أليس جميلاً ضرام التنور وهو يحتضن كف الجائع برغيف ساخن ؟أليس جميلاً حد المقصلة وهو يقطع رأس الجلاد؟إن النعل العتيق يبدو أجمل من الوردة، عندما يصفع وجه الطاغية الجبار.جمال المفردة لا تحمله المفردة.. جمالها يقرره موضعها في سياق الجملة.وقصائدي الطيبة لا تطلب أطناناَ من المساحيق.إنها لا تتكلف . وجهها الطبيعي، على بساطته، أجمل.هي تعرف تحمير الخد، ومشق القامة، وشد الصدر، لكنها تعرف، أيضاً،شيئاً آخر له مفعول السحر، ما إن يمس الكلمة حتى يذوب الجمال على قدميها غراماً.هذا الشيء اسمه " الصدق "، وهو شيء من دونه ..يصبح الجمال قبيحاً.أتعرف لماذا لا يستعمله الكثيرون على رغم علمهم بروعة مفعوله؟إنه مرتفع التكاليف جداً .. وعلى من يريد اقتناءه أن يكون أن يكون مستعداً لدفع آخر قطرة من دمه.إعلم، إذن، أن كآبتي هي جزء من هذه التكاليف ..وعليه فلا تسألني إلى متى هذه الكآبة .. وجه سؤالك إلى منظمة الدول المصدرة للضغط .
يتبع بأذن الله مع (ج3 ) من حوارات
.

"لافتات" تدور حول المعنى ذاته .. ولو اكتفيت بأول إصدارين، لكان ذلك كافياً بالنسبة إلى القارىء. إنك تقدم "حقنـاً" متماثلة ومتطابقة .. حتى أصبحت لدينا مناعة مما تكتب وعما تكتب .. متى تغير أو تتغير ؟- على رسلك.. أنتم لستم فايروسات زكام لكي تكتسبوا مناعة من "الحقن".إسمع .. إنني عندما شرعت في الكتابة، لم أضع في ذهني أية خطة لإنشاء مدرسة في الشعر.. ولا حتى "حضانة". كانت عندي صرخة أردت أن أطلقها، وكلمة حق أردت أن أغرزها في خاصرة الباطل .. وقد فعلت.قال النقاد والباحثون الجامعيون إن شعري "قد" شكل مدرسة، وأنت تقول إنه "كاد" يشكل،وأنا في كل الأحوال لا يسعدني حرف التحقيق، ولا يحزنني فعل المقاربة. ثلاثة أشياء، فقط، كانت تلح علي في هذا السبيل :
هي أن ألتزم قضية الإنسان .. أي إنسان، بعيداً عن مكاسب القبيلة، وبمنأى عن حول الإيديولوجيا.وأن يكون التزامي الفني موازياً تماماً لالتزامي الإنساني.وأن أسعى من خلال هذا إلى تأكيد سماتي الخاصة، بحيث تكون لحبري رائحة دمي، ولكلماتي بصمات أصابعي.وأعتقد أنني قد حققت هذه الأشياء. وباستطاعتي القول، مطمئناً، إنك إذا عرضت قصيدتي على قارئي، فلن تحتاج إلى وضع اسمي عليها، لكي يعرف أنها قصيدتي.لا تقل لي "أنهيت نفسك" . إنني حاضر، حتى في أقصى حالات غيابي،وإلا فما الذي دعاك إلى محاورتي؟ .. ثم إنني لا أعرف عن أي تكرار تتحدث؟ هل هو تكرار الدوران حول القضية الأساسية التي آمنت بها،أم هو تكرار المعاني الجزئية فيها والصياغات، وزوايا النظر، وأشكال الصور؟الأرض تكرر دورتها حول الشمس كل يوم، لكنها لا تكرر نفسها حتى في لحظتيين متتاليتين. هناك في كل لحظة مسقط ضوء على صورة.الشعر العربي يكرر موضوع الحب منذ الجاهلية ..
والقضية برمتها هي عبارة عن رجل يعشق امرأة، وامرأة تحب رجلاً ..هل تستطيع القول إن الموضوع قد اختلف عن هذا يوماً ما؟أصدرت ست مجموعات، والسابعة في الطريق، وبرغم ذلك فإن القارىء لا يبدو مكتفياً.
قل رأيك كيفما كان. هو حقك الذي قامت الشرائع كلها من أجل صيانته.لكن أرجوك ..لا تتكلم باسم قارئي.خذ حقك، ودع لقارئي حقه..قارئي هو حبيبي وسندي وقرة عيني ..هو خط دفاعي الأول والأخير، والسد العالي الذي يعصمني من الطوفان.وإنني إلى هذا السد المنيع أُسند ظهري باطمئنان ..لأتساءل: كم ألفاً يطبع أكثر الشعراء مبيعاً؟ثلاثة .. خمسة .. سبعة .. عشرة؟ وكم عدد البلدان التي يوزع فيها؟وكم المدة التي يستغرقها التوزيع؟حسناً .. تقول إنني انعزلت، وتكررت، وانتهيت ..
لكن هل تقول إنني جننت لأطبع كتبي على حسابي،ولأدفع تكاليفها الهائلة على رغم شدة حاجتي،فيما أنا أعرف أنها لن توزع إلا في شارع واحد من كل هذه الكرة الأرضية،وفيما أنا أدرك أنها لن تعرض لا في خبر ولا في إعلان؟وإذا كنت قد جننت فعلاً، فهل يبلغ بي الجنون حد المغامرة بإصدار عشرات آلاف النسخ من كل طبعة؟أنا أفعل هذا .. لكنني لست مجنوناً،ولكي لا يغلبك الجري وراء الإحتمالات أقول إننا لا نطبخ "مكبوس اللافتات" وحتى لو كانت تلك هي وجبتنا الأثيرة فإن تخزين مثل هذه الكمية -لمدة عام واحد - من شأنه أن يجعلها غير صالحة للإستهلاك.بماذا تفسر الأمر إذن؟وبماذا تفسر سعي الناشرين ورائي دون جدوى؟وبماذا تفسر وقوع "اللافتات" ضحية لأوسع عملية تزوير.. في مصر ، ولبنان، وفلسطين، واليمن، وفي ما لا أعرف من البلدان؟نحن نعلم أن المزورين مجرمون ولصوص،وانهم يتاجرون بدم المبدعين ويهضمون حقوقهم، لكن هل يبلغ الأمر بهم حد سرقة أنفسهم؟والسؤال الأهم من هذا كله هو : من الذي يشتري هذه الآلاف من النسخ؟هل تشتريها الجمعيات الخيرية البريطانية لتوزعها على مدارس العميان؟أم تشتريها الحكومات العربية مكافأة لي على جهودي في نشر "عرضها"؟.. وهذه الآلاف المؤلفة من الخطابات التي تندلع منها أوراق الأفئدة ..من أين وممن تصل إلي؟ وهذه الرسائل والأطروحات الجامعية العديدة ..من يكتبها؟ ولماذا؟
وهذه الترجمات التي تظهر في إيطاليا، وفي فرنسا، وفي إيران، وفي تركيا.هل قيل لك إنني أعرف أحداً من القائمين عليها؟.. إذا كان للتكرار والإنتهاء والغياب أن يفعل كل هذا، فإن من الواجب عليك أن تقوم وتتوضأ،وتبتهل إلى الله أن يحشر الشعراء جميعاً في بكرة عملاقة،وأن يرسل العواصف من بين أيديهم ومن خلفهم، لكي يصطرعوا متكررين حتى الإنتهاء والغياب ..فبذلك وحده يمكننا أن نطمئن إلى أن شعرنا سيظل حياً،وأن القارىء لن يفصم علاقته بالشعر.تسألني متى أغير أو أتغير؟ وأجيبك: إنني أغير يومياً،فكل قارىء جديد يعني أنني تقدمت خطوة في طريق التغيير ..* فضلت العزلة التامة، لم نشاهدك في مهرجان أو ندوة أو محاضرة ..وتجاهلك الإعلام ربما لأنك تجاهلته .. ربما لأنك متذمر أكثر مما يجب،وربما لأن لا جديد لديك .. فما رأيك؟
- عزلتي لم تكن تامة .. فأنا متواصل مع الناس من خلال دواويني، ومن خلال "القبس"،ومن خلال كثير من المطبوعات التي "تقتبس" قصائدي ..ومن خلال آلاف الرسائل التي أتلقاها من قرائي.وعدم مشاركتي في المهرجانات الرسمية ليس اسمه "عزلـة" .. بل اسمه "عفـة".إنني لم أتجاهل وسائل الإعلام ..بل تجاهلت وسائل الإعدام. تلك التي تكتب بالممحاة،وتقدم للناس فراغاً خالياً محشواً بكمية هائلة من الخواء.وأنا في هذا إنما أعطي لكل مبدع درساً مجانياً يقول له :إنك يمكن أن تكون شريفاً دون أن تجوع، ويمكن أن تظل مؤثراً دون الحاجة لأن تكون "برغيـاً" في ماكينة أي عصابة،رسمية أو غير رسمية. ويمكن أن تبقى في ضمير القارىء حتى لو لم تذكرك أية مطبوعة ...أما تذمري، فهو أقل مما يجب، لكن "المتألهين" لا يغفرون حتى الحسنات.بل أظنهم يتحرقون من الغيرة كلما سمعوا شخصاً يردد : " قل هو الله احـد".الفاروق عمر، رضي الله عنه، قال: " من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومني" ..* يكاد ينحصر نشرك في جريدة "القبس" الكويتية فقط.ماذا تمثل لك هذه الجريدة. هل هو ارتباط عاطفي يعيدك إلى أيامك القديمة في الكويت،عندما كنت محرراً ثقافياً في "القبس"، و"لافتاتك" تلهب طلاب الجامعـة ..أم أن في الأمر حسبة أخرى؟
- القبس جريدتي يا رجل .. والذي بيني وبينها أكبر كثيراً من مجرد الإرتباط العاطفي أو "الحسبات الأخرى".
إن صلتي بالقبس هي صلة رحـم، وعلاقتي بها مسألة يفرضها الولاء،فهي التي احتوتني بحضنها عندما فتحت عيني،وهي التي حملتني على صدرها بشجاعة مريم، فيما كان الرهط كله يهتف من حولها حانقاً"لقد جئت شيئاً فريا" .إنك تستطيع أن تغير قميصك، وتستطيع أن تغير بيتك، بل وتستطيع أن تغير وطنك ..لكنك لا تستطيع أبداً أن تغير أمك !
* نزار قباني مات، والجواهري، والحيدري، ..أما محمود درويش ففي العناية المركزة، هل باستطاعتنا أن نقول الآن : رحم الله الشعر؟- نسأل الله أن يرحم من ماتوا، وندعوه أن يكتب الشفاء لمحمود درويش.وإذا كان من الإنصاف أن نذكر لهؤلاء الشعراء حرصهم على الكتابة بلغة الناس،في ساحة طافحة بآلاف المصابين بالإلتهاب اللغوي،فإن من المغالاة أن نرفع نعش الشعر كلما مات شاعر.لقد جرت الحياة على أن يموت شاعر ويوجد شاعر ويولد شاعر،وسلطة الشعر في كل عصر، إنما يتداولها الأكفاء ..ليس الشعر نظاماً عربياً لكي يسقط بموت الحاكم.* حدثنا عن الغربة، كثيراً .. أو قليلاً، كما تحب ..غربة الزمان وغربة المكان. غربة الجسد وغربة الروح.- في روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل"، يقول ميلان كونديـرا :"إن من يعيش في الغربة يمشي في فضاء فوق الأرض من غير شبكة الحماية التي ينصبها لكل كائن البلد الذي هو بلده ..حيث أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه، وحيث يعرب عما به من غير مشقة باللغة التي يعرفها منذ الطفولة".وتأسيساً على هذه العبارة، أستطيع القول إنني لم أحظ بشبكة الحماية هذه،لا في البلد الذي هو بلدي،ولا في أي مكان آخر.وعليه فإن غربتي قد بدأت بمولدي، وأحسب أنها لن تنتهي إلا إذا انتهت غربة أوطاني نفسها.هذا ما يتعلق بغربة الجسد،أما بالنسبة لغربة الروح،فإن ما يعزيني هو أنني لاجىء منها على الدوام إلى دولة رائعة..
* تكاد تكرر تجربة "غائب طعمة فرمان" ..لقد رحل طويلاً وظل حبيس الماضي.عاش أكثر من ثلثي عمره خارج العراق ..وبقي لا يكتب إلا عن العراق. هل أنت مصاب بهذا "النكوص" أيضاً؟
- كان يجب أن تسأل أولاً : لماذا عاش "فرمان" أكثر من ثلثي عمره خارج العراق؟حدث هذا لأنـه كان حبيس الحاضر،ذلك أن مأساة وطنه التي حاصرت ثلاثة أجيال حتى الآن،هي التي أجبرته على الرحيل طويلاً. وإذا كنت تعتقد أن الوطن يعتبر ماضياً بمجرد أن يغادره الكاتب،فالمشكلة في طبيعة اعتقادك وليست في الكاتب.إنك لو تمعنت في كتابات "فرمان" عن العراق، لما وجدت فيها ماضياً غير متصل بالحاضر،بل وبالمستقبل أيضاً، في بلد يسلمه الجلاد للجلاد. أما بالنسبة إلي،فإنني لا أكتب عن العراق وحده، بل أكتب بالجملة عن عشرين عراقاً لا تفاوت بينها إلا في نسبة القطران.ثم أي ماض، يا عزيزي ماضي، هذا الذي تريد أن تحبسني فيه؟أنت تعلم أنه مضارع مستمر، وكل ما استجد فيه أنه كان رمادياً فأصبح ناصع السواد.هل تستطيع الآن أن تحصي أعداد قتلانا؟وهل يمكنك أن تدلني على "خرتيت" واحد حاول -من باب التغيير- أن يقترف الحياء للحظة واحـدة،أو أن يحرك عجيزته عن الكرسي مقدار أنملة؟لم يكن ما كان ماضياً. هو يبدو لك كذلك لأنني خرجت مبكراً جداً على طبع القطيع،وصرخت بملء دمي في وجه الذئاب، وغرزت مخالب الشعر في أنيابها،فيما كان الآخرون، بغالبيتهم، صامتين وراكدين،بل ومستعدين لوضعي على مائدة عشائها مع قبلة حب.الذئاب نفسها لا تزال مكشرة عن أنيابها.هي لم ترحل ولم تمت. الموت لا يحبها .. للموت وعي صحي يمنعه من التهام الكواسر.شجعني ، إذن، وشمتني، لأنني لا أزال قادراً على الوقوف أمامها مكشراً عن أقلامي.
وإذا لم تشجعني فلا تسم موقفي "نكوصاً" لأنك ،حينئذ، لن تستطيع وضع "الإقدام" في أية جملة مفيدة.لست مصاباً بالنكوص يا عزيزي ..مشكلتي أنني مصاب بالثبات على المبدأ،.وهي بالفعل مشكلة حقيقية، في هذا الزمان الفيفي.* هل ستستقر في لندن إلى الأبد؟- كلا . كلا. لندن ليست محطة استقرار.إنها بالنسبة إلي محطة عبور لا أكثر، خاصة إذا أخذت بعين الإعتبار طبيعتي الملولة التي تنفر من خيار الإستقرار ومتعلقاته.إنني كثيراً ما أحتال على أصيافي بالتنقل بين قصري المسترخي على ضفاف الدانوب في فيينا،وبيتي الريفي المطل على طواحين الهواء في هولندا،الذي تزين جدرانه لوحات صديقي الراحل "فان جوخ"،وأحياناً أستلهم وحي شعري على ظهر يختي "يختي عليه"،عندما يبحر بي إلى هاواي بالذات.أما شتاءاتي فهي مكرسة لمتابعة حركة أسهمي وأعمالي التجارية بين أسواق نيويورك وطوكيو،وقلما أجد وقتاً لممارسة هواية التزلج في سويسرا والنرويج أو لتناول "كافياري" المفضل في "نيس".كما ترى .. أمام كل هذه الخيارات،كيف لمترف ملول مثلي أن يستطيب الإقامة في بقعة بائسة كلندن؟!إن شئت الصدق، إنني على استعداد للتنازل عن جنسيتي البريطانية هذه لأي رجل من إخواني في العروبة،* خبرنا عن حياتك الشخصية .. نحب أن نعرف ارتباطك .. أولادك .. زواجك إن تم ..كيف تعمل، ماذا تكسب، ماذا تخسر ..وقل لي : ماذا عن العرب في الخارج .. هل هم واجهة مشرفة؟!
- ارتباطي: هو بقضية كل إنسان ضعيف ومستلب.- حالتي الإجتماعية : "رب بيت".- شغلي : هو كنس العروش الفاسدة.- مكسبي: احترامي لذاتي.- خساراتي: أرباح، .. أصبحت لكثرتها أغنى الأغنياء ..ففي كل صباح أستيقظ فأجدني معي، أحمد الله ثم أبدأ بتفقد كنوزي، أدق قلبي الجريح فترد كبريائي
" أنا هنا" ..أتفحص جيبي المثقوب، تضحك أناملي" لا تتعب نفسك .. لم أقبض صكاً من سلطان" ..أتلمس روحي، تبتسم آلامها "أطمئن، لم يستطيعوا اغتصابي" ..افتح كتابي، يلهث في وجهي قائلاً "صادروني اليوم في البلد الفلاني".وطول جولتي يسليني ضميري بدندنة لا تنقطع :
لم نمدح شيطاناً ، لم نخن قضية الإنسان، لم ننس فلسطين،لم نذعن لأية سلطة، لم نضحك في وجه مرتزق .. وهلم فخراً.عندئذ، أتطلع إلى المرآة مبتهجاً، وأهتف بامتنان: "ألف شكر .. لم أبعني لأحد"!أما العرب في الخارج، فبعضهم يرفع رأسك إلى ما فوق السماء السابعة،* مرة كنت تريد الكتابة عن حبيبتك ..فتحول ما تكتب إلى كتابة عن الوطن دون إرادة منك.أخبرني ذلك -عنك- أحد الأصدقاء.
- هامش: أنظر قصيدة "أعرف الحب .. ولكن" في لافتات 4،ومنها ستعرف أنني قادر قادر جداً على الحب بالكلمات وبغير الكلمات،ومنها ستعرف أيضاً لماذا لا أفعل.وإغناء لما تضمنه الهامش، أتساءل: ألا يكون الحب حباً إلا إذا قام بين رجل وامرأة؟أ ليس حباً حنينك إلى مسقط رأسك، الذي حولوه إلى "مسقط رأسك"؟!أليس حباً أن تستميت لاسترداد الوطن من اللصوص، لكي لا تبقى حبيبتك مشردة على أرصفة الدنيا؟أليس حباً أن تحاول هدم السجن وبناء مدرسة،
لكي لا ينصرف ذهن حبيبتك عنك، كلما التقيتما، للتفكير في مصير ابنكما الآتي،الذي لن يعرف من دنياه سوى أن "السجن مدرسة"؟وليلى المريضة في "العراقات" العشرين ..
وبذلك ننهي حلقة حوارات ..
ونبدء في الحلقة القادمة بأذن الله..
بعرض أشعار ..أحمد مطر ..
والى ذاك الحين ..
نلقاكم .. بكل حب وود
ودمتم
.
يعطيك العافيه اخوى احلام