![]() |
| |||
| كم من الحقائق الجليلة في أنفسنا ومن حولنا يمضي علينا زمان غير قصير لا نتعجب منها ولا نندهش لها ، على اعتبار أنها جلية لاخفاء فيها ، وقريبة لا ُبعد معها ، وفجأة نتفطن إليها تفطن الذي ألقي في روعه وكأنها لم توجد إلا ساعة تفطننا ، وأدعوكم قي هذا المقال الافتتاحي المبارك إلى أن نتأمل جميعا في بعض هذه الحقائق الجلية ، عسى أن نقف على ما خفي علينا منها على قربها وجلائها . أولا : طرح الإشكال الخاص بالحوار الاختلافي 1- حقيقتان كلاميتان حسبنا من هذه الحقائق الجلية الخفية حقيقتان جميلتان اثنتان : 1-1 الأصل في الكلام الحوار فلا نتكلم إلا ونحن اثنان ، بل نتكلم إلا ونحن زوجان؛ لأن الزوجين هما الاثنان المتواجدان ، والكلام لا يكون إلا بين اثنين موجودين هما : " المتكلم " و" المخاطب " فالمتكلم يزدوج بالمخاطب أو يتزاوج معه ، وميزة اللسان العربي لأنه يتضمن لفظا آخر يجري استعماله كمرادف للفظ " الكلام " لفظا يفيد لغة معنى هذا الإزدواج ، ألا وهو " الخطاب " فلا خطاب إلا مع حصول التوجه إلى الغير ، فالمتخاطبان اثنان متوجهان أحدهما إلى الآخر . وليس لقائل أن يقول إن المرء قد يتكلم مع نفسه – أو يخاطب ذاته - ، فيكون واحدًا لا اثنين ؛ لأن الجواب على اعتراضه يكون من وجهين : أولهما ، أن " الكلام مع النفس " - أو مخاطبة الذات – ليس حقيقة أصلية ، وإنما هي متفرعة عن حقيقة " الكلام مع الغير " – أو مخاطبة الغير – ذلك أنها تحصل منها بطريق المماثلة أو المشابهة ، حيث إنك تشبه علاقتك بنفسك بعلاقتك بغيرك ، فيعمل خيالك في الاختراع لها ما هو قوام العلاقة بالغير ، وهو صورة الكلام ، فتجعل نفسك متكلمة مع نفسك كما تتكلم مع غيرك ، أو قل -بإيجاز- إنك تقيس كلامك الداخلي على كلامك الخارجي قياسا موجبا . الوجه الثاني : أن ذات المتكلم وإن كانت في حال الكلام النفسي ، واحدة خلقا ، فإنها اثنان خلقا ، ألست حين تكلم ذاتك تتصرف كما تتصرف الذاتان المتمايزتان فيما بينهما : وقد أقول ، -باصطلاح النظار- ، بأن لها تعددا اعتباريا لا واقعيا أو - باصطلاح البلاغيين-إن لها تعددا مجازيا لا حقيقيا . وعلى الجملة ، فحيثما وجد اثنان متزاوجان ، بل زوجان ، فثمة حوار ، فإن كان الزوجان متمازيين خلقيا أو واقعيا أو حقيقيا ، كان الحوار حوارا مظهرا أو صريحا ، وإن كانا متمايزين خلقيا أو اعتباريا أو مجازيا ، كان الحوار حوارا مضمرا أو ضمنيا . 1-2 الأصل في الحوار الاختلاف إننا لا ندخل – أنا وأنت – في الحوار ، إلا ونحن مختلفان ، بل إننا لا نتحاور إلا ونحن ضدان ؛ لأن الضدين هما المختلفان المتقابلان ، والحوار لا يكون إلا بين مختلفين متقابلين هما ،في الاصطلاح "المدَّعي" وهو الذي يقول برأي مخصوص ويعتقده و " المعترض " وهو الذي لا يقول بهذا الرأي ولا يعتقده . وليس لقائل أن يقول إننا قد نلج باب الحوار ونحن على اتفاق في آرائنا كما نكون عندما نتجاذب أطراف الحديث أو نتذاكر في مسألة مشتركة ؛ لأن الجواب عن هذا الاعتراض يكون من هذين الوجهين : أولهما ، أن " الحوار مع الاتفاق " – ولنسمه الحوار الاتفاقي – ليس حقيقة كلامية أصلية ، وإنما هي متفرعة عن حقيقة " الحوار مع الاختلاف – ولنسمَّه الحوار الاختلافي – ذلك أن هذا الاتفاق لا يخلو إما أن يكون قد تقدمه اختلاف أو لم يتقدمه ، فإن كان الأول ، فظاهر أن الاتفاق قد تفرع من الاختلاف ، لأنه يكون بمنزلة النتيجة التي أثمرها حوار صادق دخلت فيه أو دخل فيه غيرك وكان مداره على رفع الاختلاف الحاصل ، وإن كان الثاني ، فإن الاتفاق يحصل من الاختلاف بطريق المقابلة ، ومعلوم أن المقابلة نوع راسخ من الاختلاف ، فتكون قد قابلت علاقتك بموافقك بعلاقتك بمخالفك ، نافيا عن الأول ما ثبت بصدد الثانية ومثبتا لها ما انتفى عن هذه أو قل –بإيجاز- إنك تقيس حوارك الاتفاقي على حوارك الاختلافي قياسا منفيا ، فحقيقة قياسك المنفي هذا إذن أنه ممارسة اختلافية صحيحة . والوجه الثاني ، أن الواقع الحواري للناس يشهد على غلبة هذا الحوار الاختلافي ، فلا نزاع في أن المخاطبات منتشرة غاية الانتشار في حياة الناس ، ابتداء من الحديث اليومي العام وانتهاء بالحديث العالمي الخاص ، وإذا أنت تأملت في هذا الواقع التخاطبي قليلا ، وجدت أصنافا كثيرة منها غالبا ما يكون الداعي إليها حصول اختلاف من نوع ما أو بقدر ما ، منها الحوارات ذات الفائدة العامة نحو " الاستجوابات الصحافية بمختلف وسائل الإعلام " و " المطارحات المذهبية داخل الأحزاب " و " المداخلات السياسية داخل المجالس " وكذلك " الجلسات القضائية داخل المحاكم " و " المفاوضات التجارية داخل الأسواق " و " المناظرات المهنية داخل المؤسسات " و " المباحثات العلمية داخل المؤتمرات " ومنها الحوارات ذات الفائدة الخاصة نحو " المناقشات بين الأفراد في الأوساط العائلية " و " المجادلات بين الأقران في الأندية " و " الخصومات بين الأزواج في البيوت " . ولا ريب أن هذه الأنواع من الحوار الاختلافي تفوق بكثير أمثالها من الحوار الاتفاقي نحو " الحوار الاستخباري " الذي يكون الغرض منه الحصول على معلومات معينة ، و " الحوار " الاستشاري الذي يقصد الوصول إلى اتخاذ قرار في مسألة ما و" الحوار التربوي " الذي يكون الغرض منها التكوين والتعليم و" الحوار التدبيري " الذي يستهدف تحديد غرض مخصوص أو وسيلة مخصوصة لتحقيقه ، وحتى هذه الأنواع الاتفاقية لا تخلو من وجود هذا الوجه أو ذاك من وجوه التنازع فيها ، فمثلا الحوار التدبيري يدور أصلا على أهداف أو أعمال مختلفة فيما بينها ، فتقارن بين فوائدها وآثارها المتفاوتة ، حتى تقف على أولاها بالتحقيق ضمن أولوياتك المعتبرة ، بل ليس يمتنع أن ترد هذه الأنواع الاتفاقية على مقتضى الاختلاف في الآراء فمثلا بالنسبة للحوار التدبيري ، يجوز أن نجعل منه جملة من الآراء المتنازعة ، كل رأي منها يقول بهدف مخصوص وعمل مخصوص ، وحينئذ ، لا نستغرب أن يغلب على لفظ " الحوار " في استعمال إفادة معنى " الحوار الاختلافي " . وعلى الجملة ، فحيثما وجد اثنان مختلفان ، بل ضدان ، فثمة حوار اختلافي فإن كان الضدان متواجهين ، كان الحوار الاختلافي حوارا مباشرا أو قريبا ، وإن كان الضدان أحدهما واسط إلى الآخر ( كالقياس على المقابل ) ، كان الحوار الاختلافي حوارا غير مباشر أو بعيدا . 2-النتيجتان المتعارضتان بعد أن فرغت من بيان الأصلين اللذين يقوم عليهما الكلام ، وهما : " الأصل في الكلام الحوار " و " الأصل في الحوار الاختلاف " فلننظر معا في بعض النتائج التي تترتب على هاتين الحقيقتين الجميلتين ، إذ جمالهما آت من ازدواج الجلاء بالخفاء فيهما . يترتب على الأصل الأول أن الكلام يقتضي بالضرورة وجود الجماعة ، لا وجود الواحد ، والجماعة قد تتكون من فردين عاقلين – أي زوجين – فأكثر ، حتى تسع المجتمع القومي كله – أو " الأمة " – كما هو الشأن الحوار بين الأحزاب في الحكومة وبين الأحزاب في المعارضة ، بل إن هذه الجماعة قد تسع المجتمع الإنساني بأسره أو " العالم " ، كما هو شأن ، الحوار بين الغرب والشرق، والحوار بين الشمال والجنوب . ويترتب على الأصل الثاني أن الحوار يقتضي بالأساس وجود المنازعة ، لا وجود الموافقة ، فقد يتنازع الفردان العاقلان في الرأي ، كما قد تتنازع الطائفتان في المذهب كما هي حال النزاعات المشهورة في تاريخ الإسلام والتي مازال بعضها قائما إلى يومنا هذا مثل النزاع بين أهل السنة وأهل الشيعة أو النزاع بين السلفية والصوفية أو النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة كما قد يتنازع المجتمعان في توجهاتهما كالنزاع بين المجتمع الأمريكي والمجتمع الصيني أو يتسع التنازع إلى مجموع العالم كالنزاع الذي أخذ يشتد بين أهل الفكرية الغربية وأهل الفكرية الإسلامية . وهاهنا لا إخال إلا أنك تبادر إلى إيراد الاعتراض التالي على هذا الاستنتاج ، وهو : كيف يجوز عقلا أن يجتمع في الحوار مقتضى " الجماعة " ومقتضى " المنازعة " أليس ينظر إلى الجماعة على أنها تقتضي الألفة والتعارف ، في حين أن المنازعة تضادهما ؟ وعلى العكس من ذلك ، أليس ينظر إلى المنازعة على أنها تقتضي المنافرة والمناكرة في حين أن الجماعة تضادهما ؟ ومن تم تكون هذه الشبهة عبارة عن مفارقة ، علما بأن المفارقة هي الجمع بين الضدين أو النقيضين ، والمشهور أن مثل هذا الجمع يرتفع به مقتضى العقل ؛ لأنه يندرج في باب المحال ، لذلك تراني أجعل من هذه الشبهة التي قد توردها عن استنتاجي الإشكال الفكري الأساسي الذي يدور عليه هذا المقال ، فكيف إذًا يكون الحوار في ذات الوقت جماعيًا ونزاعيًا ؟ هذا ما سيكون عنه الكلام في المقال القادم التعديل الأخير تم بواسطة alwatanyah ; 15-05-2006 الساعة 09:02 AM. سبب آخر: تكبير الخط |
| |||
| رد: الاخـتــلاف
pif paf , يعطيك العافية .. بما أن موضوعك هو الاختلاف , وبما أنك أردت من القراء والنقاد تقييم هذا الموضوع , فتقبل كلامي بكل رحابة صدر , لأنني سأكون صادقا معك . تقييمي للموضوع من 10 أعطيك 3 . لأسباب طبعا , ليس هكذا تقييم فقط , هناك عيوب تُخل بالمقال , وهناك شروط لابد أن تتوفر في المقال وإلا سيكون هذا المقال ليس مترابطا كما ذكرت . فأعطيك رأيي في المقال بكل اختصار أنت قسمته إلى ثلاثة أقسام . القسم الأول أؤيدك فيه وهو ( الأصل في الكلام الحوار ) القسم الثاني هو المعيب وهو ( الأصل في الحوار الاختلاف ) القسم الثالث هو أشد عيبا وهو ( النتيجتان المتعارضتان ) هذا بكل اختصار , لن أذكر التفاصيل والسبب أنني لا أريد تشويه المقال . وإذا أردت مني أن أذكرها لك على الخاص فأنا حاضر. أشكرك ... |
![]() |
| الكلمات الدليلية |
| الاخـتــلاف |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
| اقرأ ايضا في :
شريعة-حوار-شعر-خواطر-سياسة-مذاهب-طب-برامج-
برامج الحماية-برامج صوتيات-برامج صور-برامج فيديو-برامج متنوعة |
| جديد على الموقع؟ | تريد مساعدة؟ |