العودة   فكر و فلسفة > من هنا وهناك > فلسفة وعلم الكلام






ne nw

صراع حول العقل......محمد العزب موسى

se sw


الرئيسية أضف مقال الجديد الاكثر شهرة البحث

صراع حول العقل......محمد العزب موسى
قديم 23-09-2007 02:05 AM
alwatany2005
 
المشاهدات: 168
محمد العزب موسى

الاسلام دين يحض على استخدام العقل ويخلو من الرموز والتصورات الغامضة والعقائد الجامدة التي ينبغي على المؤمن أن يأخذها كما هي. ولذلك سمي الاسلام بدين الفطرة، ولا تناقض بين العقل والفطرة، لأن العقل جزء من الفطرة الانسانية. والفطرة الانسانية جزء من العقل الكوني المطلق... جزء من الله.
وفي عصر النبي والخلفاء الراشدين لم تكن هناك ضرورة ملحة لاذكاء البحث العقلي المستقل لسبب بسيط هو ان المجتمع الاسلامي كان لا يزال في مرحلة تقبل الدين، وكانت الاولوية لاستقراره في الصدور، وكانت حاجات المجتمع لا زالت بسيطة لانه اقرب الى البداوة. وكانت احكام الدين لا زالت واضحة وقريبة العهد الى المصدر... ومع ذلك لم يصادر حق السؤال في فجر سلام، ولم يجر اسكات أي شك عن طريق ارهاب السلطة، كل ما في الامر ان أي سؤال محرج او ليس في القدرة الرد عليه، كان يهمل ويكتفى المسؤول بالافصاح عن عجزه في تواضع قائلا "الله اكبر".
ولكن بعد مرور قرن على ظهور الاسلام، بعد ان استقر في الصدور وتدعمت السلطة الاسلامية وتكونت الامبراطورية العربية ودخلت فيها عشرات الاجناس الاخرى، وتعقد المجتمع؛ وحدثت الانقسامات الفكرية والسياسية، ونشطت حركة الترجمة والاتصال الحضاري، وبُعد العهد عن مصادر الاسلام الاولى بدأت الحاجة تبدو ملحة الى اعمال الفكر واستخدام العقل في كل ما يعن من المسائل الجديدة المعقدة تلبية لدعوة القرآن نفسه.
وكان المعتزلة هم رواد النظر العقلي في الاسلام، ورافعو رايات الحرية الفكرية التي ترعرعت في ظلالها الحضارة الاسلامية العظيمة.
وعندما ظهر المعتزلة في اواخر القرن الاول الهجري على يد واصل بن عطاء في البصرة رفضوا في اول الامر الوظائف الادارية ليتفرغوا للقراءة والبحث والمناظرة، ولكنهم لم يلبثوا ان انغمسوا في السياسة حتى سيطروا على الدولة في صدر العصر العباسي الاول، وطبعوها بطابعهم العقلي.
وقد جعل المعتزلة العقل معيار كل احكامهم ولكنهم لم يخرجوا ابدا عن نطاق الاسلام، بل كانت حريتهم "ملتزمة" باصول الاسلام وليست "مطلقة" كحرية الزنادقة والمعطلين، فكانوا بذلك أقرب الفرق الاسلامية الى روح الاسلام الثورية التقدمية.
هم اولا اعتبروا العقل مصدرا للمعرفة، ورفضوا كل ما لا يتفق معه حتى لو كان منسوبا الى كبار الصحابة مثل رؤية الجن وانشقاق القمر والسؤال على يد منكر ونكير، وهذا الموقف يذكرنا بموقف الرسول عندما كان يوري ابنه ابراهيم التراب اذ انخسف القمر فرفض ان يربط بين الظاهرتين، وهكذا شن المعتزلة حربا لا هوادة فيها على السحر والشعوذة والخرافات.
وقال المعتزلة بان الانسان مخير لا مسير، وهو حر ومسؤول عن افعاله وليس مجبرا على كل ما يفعل بقواعد ازلية لا يستطيع الفكاك منها، لانه اذا كانت الخطيئة قدر من الخالق والانسان مجبر على ارتكابها فان عقابه عليها يجعل الخالق ظالما وهذا كفر، وقالوا بان العقل والوحي على السواء يدلان على ان الاستقامة والخطيئة، الفضيلة والرذيلة، الخير والشر، جميعها، تنتج عن ارادة الانسان الذي يسيطر سيطرة مطلقة على افعاله رغم انه قد بين له الخطأ والصواب.
وهكذا ربط المعتزلة بين الحرية والاختيار والمسؤولية، فاعلوا بذلك قيمة الفرد وجعلوه حراً ومسؤولا عن افعاله، وهذا يتفق مع أحدث النظريات الفلسفية المعاصرة التي تعلي شأن الفرد وارادته. والواقع ان نظرية المعتزلة في الجبر والاختيار كانت نظرية ثورية خطيرة في حينها؛ فقد كان الطغاة يؤيدون القول بالجبر لانه يعطيهم السند لطغيانهم، ويبرر كل تصرفاتهم، أليس كل ما يفعلون مسطر منذ الازل في لوح محفوظ؟ لذلك كان معاوية مثلا من اول واشد المتحمسين لنظرية الجبر، فهو قد اصبح واليا قفزا على حق علي بن ابي طالب وجدارته لأن ذلك مقدر منذ الازل، ولا سبيل الى الطعن في سياسته وتصرفاته رغم ما فيها من قسوة ومخاتلة لانها مملاة عليه من عند الله. ولكن المعتزلة لم يروا فيه أو في ولايته أية قداسة، فهو ليس اكثر من مغتصب للسلطة، وكل افعاله بشرية وهو مسؤول عنها ويجازي بها، والطعن عليه ومحاربته حق للمسلمين، اعمالا لمبدأ اخر من مبادئهم وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما دامت ولاية المسلمين ليست حقا الهيا مقدسا وانما هي نتيجة لفعل بشري فاسقاطها يتم ايضا بفعل بشري... وهكذا برر المعتزلة الثورة على الطغيان السياسي ورموا الطغاة بالكفر والالحاد.
ونزه المعتزلة وحدانية الله عن اية شبهة او شائبة، فرفضوا ان تكون صفات الله خارجة عن ذاته،وقالوا انما هي جوهر ذاته فالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر.. الخ، هي مجتمعة ذات الله نفسها وليست قدرات مستقلة عنه يستخدمها في هذه الحالة او تلك. والله عليم وقدير وحي وسميع بصير بذاته الواحدة التي لا كثرة فيها، ولا تعدد ولا صفات زائدة عليها. وحاربوا بشدة اقوال الذين يشبهون الله بالانسان او الكائن الجسمي اخذا بظاهر بعض الآيات القرآنية مما يجعل من الله _جل وعلا _ صنماً في السماء.
والمعتزلة ايضا هم اصحاب المنهج العلمي والمنطق العقلي في الاسلام، هم الذين مهدوا الطريق امام ظهور فلاسفة الاسلام وعلمائه بقولهم بالسببية أي ارتباط النتائج بالاسباب، فعندهم ان السبب لا يحدث ثم يحدث المسبب فالمسبب لا يمكن ان يكون بلا سبب، وهذا هو جوهر المنهج العلمي. ولو لم يستقر هذا المنهج في عقول المسلمين لما ظهر امثال الكندي والفارابي في الفلسفة، والرازي وابن سينا في الطب، والحسن بن الهيثم وجابر بن حيان في العلوم الطبيعية.
لقد استطاع المعتزلة أن يثيروا ويردوا على اعظم واخطر الاسئلة التي تأججت في العقل البشري في كل زمان ومكان، وقد طرحوها من زاوية اسلامية خالصة، وكانوا ملتزمين تماما باحكام الاسلام وقواعده، بل انهم قدموا للفكر الاسلامي اجل الخدمات، اذ دفعوا عن الدين هجمات خصومه من الملاحدة والزنادقة واصحاب الديانات والعقائد الاخرى بنفس وسيلتهم القائمة على الحجة والمنطق، وهو امر ما كان يقدر عليه الفقهاء الدينيون الذين لا يجيدون سوى استخراج الاسانيد من النصوص المأثورة والتي لا تلزم اصحاب الآراء الاخرى ابتداء.
وانتشرت آراء المعتزلة بسرعة بين المثقفين والمفكرين في كل انحاء العالم الاسلامي، فنشرت جوا من العقلانية والحرية الفكرية لا تكاد تبلغه حتى الدول الاوروبية في العصر الحديث. وكان ذلك بصفة خاصة في عهد الخلفاء العباسيين الذين شجعوا مبادىء المعتزلة او اعتنقوها علانية وهم الخليفة المنصور العباسي وخلفاؤه المهدي والهادي والرشيد، وعندما جاء المأمون جاهر باعتناق آراء اهل الاعتزال، وعمل هو واخوه المعتصم وابن اخيه الواثق على نشر الروح العقلانية والعلمية في ارجاء العالم الاسلامي. فكان المفكرون العقلانيون يعظون في المساجد ويحاضرون في دور العلم. ويتولون مناصب الادارة والقضاء. كانت وراءهم حماية الخلفاء وبين ايديهم عقول الشباب. ويشهد التاريخ انهم استخدموا نفوذهم هذا الواسع بحكمة فقد عملوا كاساتذة ووعاظ وعلماء وأطباء ووزراء وحكام اقاليم على رفعة العرب واعلاء شأن الاسلام.
وقد ادت هذه الروح العقلانية المتحررة التي اطلق عقالها المعتزلة، ودعمتها العلوم الطبيعية، وغزتها حركة الترجمة والاتصال الثقافي مع الحضارات الاخرى، الى عصر من التنور العقلي والحرية الفكرية يندر امثاله في التاريخ البشري ويكاد يماثل عصر بركليز في اثينا، وعصر ازدهار الثقافة الهللينية في الاسكندرية، وعصر النهضة في اوروبا.
في هذا العصر ظهر العالم الفيلسوف الكندي الذي لمع في عهد المأمون والمعتصم واشتهر باصالة عبقريته وعمق معارفه، واجاد لغات الاغريق والفرس والهنود، وكتب في الفلسفة والرياضة والفلك والطب والسياسة والموسيقى، وتولى ترجمة مؤلفات ارسطو الى العربية بتكليف من المأمون.
وفي هذا العصر ظهر ابو نصر الفارابي وكان ايضا طبيبا ورياضيا وفيلسوفا ويعتبر اذكى من فسر ارسطو واكثرهم علما وثقافة، وكان يتمتع بحماية سيف الدولة الحمداني امير حلب.
وفي هذا العصر نبغ ابن سينا وهو استاذ عصره بلا مراء، وواحد من اساتذة البشرية في تاريخها كله. ويلقب بالشيخ الرئيس وبالمعلم الثاني بعد ارسطو وكان طبيبا وفيلسوفا وفقيها وشاعرا تجسدت فيه خلاصة معارف العرب وبالرغم من الخصومات القوية التي تعرض لها من المتعصبين والحاقدين، الا انه ترك بصماته قوية على عصره والعصور التالية، وقد اخذ ابن سينا على عاتقه ان ينظم ويضبط كافة المعارف الرائجة في عصره. ومن الامثلة على شجاعته الفكرية قوله بان السعادة والالم في العالم الآخر لهما وجود روحي بحت يتوقف على مدى استخدام الانسان او عدم استخدامه لقواه الروحية والذهنية والبدنية من اجل الوصول الى الكمال في حياته الاولى، وكم تبدو هذه النظرية مخالفة للفكرة السلفية عن مادية الجنة والنار.
واذا انتقلنا الى الاندلس نجد من رواد النزعة العقلية المتحررة ابن باجة وهو من اكبر رواد الحرية الفكرية. وكان كذلك ضليعا في الطب والرياضة والفلك والموسيقى. وابن طفيل الذي اشتهر كطبيب ورياضي وفيلسوف وشاعر ينتمي الى المدرسة التأملية في الفلسفة العربية المعروفة بالاشراقية التي اسسها السهروردي المقتول وكانت انبعاثا اسلاميا للافلوطينية الجديدة غير ان فلسفة ابن طفيل التأملية لا تقوم على الاستشراف الصوفي وانما على المزج بين الحدس والعقل، واشهر مؤلفاته "حي بن يقظان" الذي يصور تطور العقل البشري لدى انسان مجرد لا يتمتع بأي ارشاد خارجي.
ومن بين فلاسفة الاندلس والاسلام بصفة عامة يستحق ابن رشد وقفة خاصة اذ فيه يتجسم المثل الاعلى للتقدم الفكري والشجاعة الادبية وحرية الرأي، وقد كان خاتمة الفلاسفة العرب العظماء، وحاول ابن رشد ان يقوم بجهد اخير ليدفع عن الفلسفة الهجوم الضاري الذي تعرضت له على يد السلفيين فكتب "تهافت التهافت" الذي رد فيه على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة" ولكن ابن رشد تعرض بدوره للاضطهاد، واحرقت كتبه.
وذهب ابن رشد الى ان ارفع جهود الانسان ينبغي ان توجه نحو بلوغ الكمال وهو الاتحاد التام مع العقل الكوني الفعال، وهذا الكمال او الاتحاد العلوي لا يمكن بلوغه عن طريق التأمل العاجز كما يفعل الصوفية وانما عن طريق التأمل والدرس والتفكير والتغلب على الخصال الخسيسة.
كما كرس ابن رشد نظرياته السياسية لمكافحة الارهاب البشري بكل اشكاله وكان يعتبر ان الحكومة العربية في عهد النبي والخلفاء الراشدين هي الجمهورية المثالية التي حلم بها افلاطون، وكان يعد معاوية الذي انشأ الحكم الاوتوقراطي في الاسلام مسؤولا عن الاطاحة بهذا المثل الاعلى وفتح الباب امام جميع الكوارث التي حلت فيما بعد بالمسلمين.
***
وهكذا حلق الفكر الاسلامي على أيدي فلاسفة الاسلام وحكمائه ومتكلميه في اعلى طبقات الحرية الفكرية والعلمية واثار من المسائل ووضع من الحلول ما زال يشغل بال العصر الحديث.
كيف انتصرت فكرة ان الانسان مجبر ومسير ولا ارادة له، واصبحت عقيدة غالبة لدى معظم المسلمين؟
لقد حدث كل ذلك ببساطة عندما ماتت حرية الفكر بين المسلمين، عندما اغلق المسلمون عقولهم، واصبح التفكير جريمة يعاقب عليها او يطارد مرتكبها باشد الاتهامات واللعنات.
ولكن كيف _باختصار _ ماتت حرية الفكر في الاسلام؟
ان الاسلام _كأية حركة فكرية عندما توضع في مجال التطبيق _ انقسم الى معسكرين رئيسيين: معسكر السلطة ومعسكر العقل.
معسكر السلطة قوامه الفكري رجال الدين الرسميون وهؤلاء طبقة من الناس اعتبروا في كل زمان ومكان _ولاسباب ليست غير وجيهة _ محدودي العقول شديدي التعصب لآرائهم، وشديدي الحرص على ان لا تمس مصالحهم الطبقية. واسهل وسيلة لتحقيق ذلك اضفاء صبغة القداسة على شخوصهم ومواقفهم وآرائهم ويرتبط بهم في نفس المعسكر القابضون على زمام السلطة السياسية والسواد البشري الجاهل.
والمعسكر الآخر هو معسكر اصحاب العقل، وفيه من يخضعون المسائل للعقل وحسن التقدير والادراك السليم مع الالتزام بقواعد الدين ومبادئه الاساسية وهم اصحاب التطور والتحرر وشجاعة الفكر والتجديد.
في المعسكر الاول "الاساقفة" وفي المعسكر الآخر "الاساتذة" وفي كل عصر ومكان كان الصراع محتدماً بين الاساقفة والاساتذة. كان الفريقان يتجاذبان طرفي حبل فيما بينهما كل في اتجاه معسكره، رغم ان المعسكرين في ساحة واحدة.
وكانت هالة الاسقف تشحب كلما سطعت شمس الاستاذ، وكانت مكانة الاسقف ترتفع كلما رجم الاستاذ بالطوب.. ولذلك كان من مصلحة الاساقفة دائما ان تكون اكوام الطوب جاهزة لتلقيها الجماهير على من يشير اليه الاساقفة بالرجم.
هذا الصراع عرفته جميع الاديان والحركات الفكرية في التاريخ. ولم يكن الاسلام في التطبيق بمنجى منه، وكيف يكون؟
وبالرغم من ان الاسلام لا يعرف نظام الكهانة كما عرفته اديان اخرى كالمسيحية والوثنية والمصرية القديمة الا انه لم يلبث ان وقع بين براثنها على نحو أو آخر، فقد ظهرت الخلافة كنظام ثابت في الاسلام واكتسب الخلفاء مسحة دينية وحف بهم عدد مهول من رجال الدين الرسميين الذين كان عليهم ان يفتوا استناداً الى التراث والمأثور في كل كبيرة وصغيرة ابتداء من مسائل العقيدة العليا الى ابسط المسائل المتعلقة بالحياة اليومية والعلاقات بين الناس.
وفي صدر العصر العباسي كان المفكرون العقلانيون ورجال الدين التقليديون يتقاسمون السلطة: العقلانيون في المعاهد والمدارس واجهزة الحكم، والسلفيون في المساجد والمحاكم وبين الجماهير.
وكان السلفيون حتى ذلك الوقت يتميزون بالمرونة والتسامح وسعة الصدر اذا لم يجدوا نصا صريحا في القرآن او السنة فانهم يعتمدون على اجماع المسلمين وعلى احكامهم العقلية الخاصة... الى ان ظهر بينهم احمد بن حنبل او الامام حنبل كما يسمى عادة.
كان الامام احمد حنيفا متقشفا متشددا وكان متعصبا لما يعتقد انه الحق ولا يستطيع ان يتسامح مع من يخالفه في آرائه، وصدم الرجل "بالليبرالية" الشديدة في المجتمع من حوله، وبمرونة الحنفية السنية نفسها، فعكف على وضع مذهب جديد يقوم اساسا على التراث والتقاليد رغبة في العودة بالدين الى مصادره الاولى، ولكن ليته نجح في ذلك حقا، ليته اقام فقهه على الكتاب وغير المكذوب من السنة واقوال الصحابة والتابعين، اذن لكان قد قدم اجل الخدمات للفكر السلفي، ولكنه للاسف لم يستطع الرجوع الى المنبع الأصلي، وكان يقدم الحديث الضعيف على القياس العقلي، ويأخذ بظاهر النصوص، حتى لو كانت دالة على رمز أو معنى خفي وكانت النتيجة ان شابت تعاليمه كثير من العناصر الدخيلة والاحكام غير العقلانية فجاءت افكاره متنافرة ومحيرة ومتشددة الى اقصى حد. فقال مثلا بامكان رؤية الله بالعين البشرية، وبان صفاته مستقلة عن ذاته، وذهب الى ان النصوص القرآنية التي تتحدث عن العرش واستواء الله عليه والتي تتحدث عن عين الله ويده يجب أن تؤخذ بمعناها اللفظي والحرفي ورفض ما كان يذهب اليه العقلانيون من ان هذه كلها رموز للقدرة الالهية. وقال ايضا ان الانسان ليس حرا بأي معنى من المعاني وان كل افعاله مملاة عليه واستنكر الثقافة الطليقة والعلوم الدنيوية وشن حربا دينية شعواء على الاتجاهات العقلانية.
وبدأ الصراع يحتدم بين قوى التقدم الفكري وقوى الانتكاس والرجعية وانضمت الجماهير فورا الى ابن حنبل مسحورة بفصاحته وحماسته وزهده وصلابته واتبعت صيحته التي لا تكلف عناء ولا تتطلب اجهاد العقل في الرمز والتجديد.
وسرعان ما تحالف ايضا مع "المصلح" الجديد معظم الفقهاء السنيين الذين يستمدون سلطتهم من نفوذهم بين الجماهير والذين أحفظهم بروز العلماء والفلاسفة في بلاط هارون الرشيد والمأمون.
وبدأت عملية اعداد الحطب والنيران للعقلانيين والمدافعين عن العلم والفلسفة.. بدأ الاساقفة يرجمون الاساتذة بالطوب..
ونال المعتزلة بصفة خاصة جانبا كبيرا من الهجوم او كما يقول الدكتور محمود اسماعيل في كتابه "الحركات السرية في الاسلام" اعتبروا مارقين سياسيا فوضويين اجتماعيا، ضالين دينيا، وصمهم الشهرستاني بانهم "مجوس الامة" ورموا بالتهتك والمجون والاستخفاف بالدين ومحاولة هدمه واحلال الفكر الوثني محله نقلا عن تشنيعات الزنديق ابن الراوندي الذي كان واحدا منهم وخرج عليهم واتهمهم ظلما بما ليس فيهم.
وفي شوارع بغداد اصبحت مناظر الفتن وسفك الدماء شيئا مألوفا وفي البداية استطاع المعتصم والواثق خليفتا المأمون ان يخمدا عنف التعصب بشيء من الشدة، وتعرض ابن حنبل في عهدهما للمحنة بسبب الخلاف على خلق القرآن. ولكنه ثبت على موقفه، فكان لهذا الثبات على المبدأ فعل السحر في الجماهير، وعندما توفي بعد سجنه وتعذيبه اعتبر شهيدا وتبع نعشه الى القبر عشرات الالوف من البشر.
وعندما اعتلى الخليفة المتوكل العباسي كرسي الحكم (232ه‍ _ 847م) كان الموقف كالتالي:
العقلانيون يوجهون سلطة الدولة فهم يشغلون المناصب الرئيسية في الادارة والحكم ومنهم اساتذة "الجامعات" ورؤساء المستشفيات ومديرو المرافق والمؤلفون ونفوذهم بين المتعلمين والمثقفين واصحاب المناصب. والسلفيون المعارضون للاتجاهات العقلانية تحت ستار الدفاع عن الدين ضد الزندقة والبدع ومنهم القضاة والفقهاء والوعاظ ونفوذهم بين الطبقات الدنيا في المجتمع.
وكان الخليفة المتوكل رجلا قاسيا سكيرا تنتابه نوبات من الجنون. ومال المتوكل إلى التحالف مع الفريق الثاني لان ذلك يكسبه شعبية بين الجماهير وبدأ في تطهير اجهزة الدولة من رجال حزب التقدم والعقلانية واغلق الجامعات والمدارس وطرد الاساتذة من بغداد. وشيئا فشيئا، بدأ يتوقف الانتاج الادبي والعلمي والفلسفي واصبح الفقهاء السنيون المحافظون هم القوة المسيطرة في الدولة الاسلامية.
***
كان السلفيون في اول الامر يحاربون العقل بالرجوع الى مأثور النصوص والتراث والتقاليد وفجأة جاءهم عون كبير من حليف غير متوقع.
هذا الحليف هو أبو الحسن الاشعري، حفيد أبي موسى الاشعري الشهير الذي خدعه عمرو بن العاص في واقعة التحكيم بين علي ومعاوية. وقف الاشعري ذات يوم في جامع البصرة واعلن على رؤوس الاشهاد رجوعه عن نظريات المعتزلة وتأييده اهل الصفات. وقال ان الرسول (ص) ظهر له في حلم اثناء رمضان وامره بالرجوع عن معتقداته السابقة. واثرت حركته المسرحية وفصاحة كلماته في الناس فجاوبوه بالتهليل والاكبار.
كان هناك دور يبحث عن بطل وجاء الاشعري مناسباً تماماً لهذا الدور وسرعان ما اصبح الاشعري اعظم رجل في الخلافة العباسية يخطب وده الفقهاء وتهتف باسمه الجماهير ويقابله الخليفة بكل احترام، كيف لا وقد اعطى الحزب السلفي السلاح الذي كان يحتاجه بشدة.. الجدل المنطقي للرد على اصحاب المنطق والعقل من معتزلة وفلاسفة وائمة فاطميين؟
ونشط الاشعري في الرد على تعاليم المعتزلة ومحاربتهم بسلاحهم فكان بذلك مؤسس علم الكلام في الاسلام.
وبعد الاشعري جاء تلميذه ابو القاسم بن عساكر وعلى يديه احرزت التعاليم الاشعرية دفعة اخرى الى الامام. واعلن ابن عساكر كما فعل استاذه الاشعري من قبل _ان كل نظريات العقلانية كفر وضلال يجب ان ترفض ابتداء بلا مجال لاخذ اورد. وقال ان مسائل العقيدة يجب ان يقبلها المسلم كما هي دون ادنى مناقشة او اعمال فكر، فاي تساؤل فيها خطيئة لا تقبل عنها توبة، بل ان مجرد روح التساؤل تخفي وراءها اصابع الشيطان، فاذا كان القرآن يقول مثلا ان الله يرى كل شيء فيجب ان نستنتج من ذلك ان له عينين وعلى المؤمن ان يقبل ذلك "بلا كيف".
وجاء بعده ابو حامد الغزالي اعظم فقهاء الاسلام بلا منازع. وقد اعتمده اهل السنة والمحافظون على اختلاف مشاربهم حجة وقالوا لو كان نبي بعد النبي لكان الغزالي. واليه يرجع الفضل في تثبيت نظام الاشعرية واستخدام المنطق في الرد على اصحاب المنطق.
هاجم الغزالي الفلسفة وكفر دارسيها، قال عن ارسطو.. "فوجب تكفيره وتكفير متبعيه من متفلسفة الاسلاميين كابن سينا والفارابي وامثالهم". واصبحت آراء الغزالي فيما بعد اقوى اساس بني عليه اضطهاد الفلاسفة والمفكرين في الاسلام. وقد وضع الغزالي في الرد على الفلاسفة كتابه الشهير "تهافت الفلاسفة". اما اهم اثاره فكتاب "احياء علوم الدين" الذي انعشت صوفيته السريعة الاسلامية وصار مرجعا اساسيا لجميع اهل السنة.
والواقع ان الخطأ الذي وقع فيه السلفيون ليس فيما قالوا به في حد ذاته وانما في الاسلوب الذي نشروا به ما يقولون.. اسلوب التكفير والارهاب والمصادرة واستعداء السلطات فوضعوا الارهاب الفكري حيث يجب ان توضع الحرية الفكرية.
ومنذ اواخر القرن العاشر الميلادي بدأت سماء الفكر الاسلامي تتلبد بالارهاصات السود للعقلانية والعلم. فقد انتشرت الروح السلفية المحافظة ووسمت بالكفر حركة العقل التي جعلت نجم المسلمين يلمع عاليا في سماء الثقافة العالمية وسيطرت الشكلية التي لا قلب لها والمعادية لروح الحرية والميالة للاضطهاد على نفوس رجال الدين وسيطرت اللذات واللامبالاة على الاغنياء وسيطر الجهل والتعصب على الفقراء، ولقد اخذت ظلمة الليل تنسدل على العقل الاسلامي وبدأ المسلمون ينجرفون الى الهوة التي تردى فيها المسيحيون على ايدي رجال كنيستهم من قبل.
وعندما حدث ذلك بدأ المسلمون يسيرون في طريق التخلف والانحلال وحق عليهم قول الله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم).
__________________
الــــجـــرح عـــلـــمـــنــــى انــــســــى الــلــى يـــظــلـــمـــنـــى
الكلمات الدليلية: لا يوجد




 

مقالات ادبية وفلسفية وثقافة عامة





جديد على الموقع؟ تريد مساعدة؟

الساعة الآن 08:49 AM.


شبكة الوطنية الثقافية
تنويرية - تعليمية - ترفيهية - حوارية - اسلامية - عربية
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2008

منتديات مدونات مجموعات معارض صور نكت برامج مواقع العاب الجوال
المرئيات السوق محطات برمجة فكر صحة أدب حواء اسلاميات

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34