العودة   فكر و فلسفة > من هنا وهناك > فلسفة وعلم الكلام






ne nw

في كيفية دخول الشرور في القضاء الإلهي.....صدرالدين الشيرازي

se sw


الرئيسية أضف مقال الجديد الاكثر شهرة البحث

في كيفية دخول الشرور في القضاء الإلهي.....صدرالدين الشيرازي
قديم 23-09-2007 01:48 AM
alwatany2005
 
المشاهدات: 125
صدرالدين الشيرازي
قد علمت أنه ليس للمهيات الممكنة في إمكانها وافتقار وجودها إلى موجد علة ولا لكون وجودها ناقصاً عن التمام الواجبي ولا لكون مادة الكائنات متضادة الصور سبب، ولا لكون المتضادين متفاسدين سبب ولا لكون النار محرقة والبحر مغرقاً سبب، ولا لكون المستغرق في شهوات الدنيا ولذاتها محترقاً بنار الجحيم محجوباً عن الجنة والنعيم سبب، فهذه هي اللوازم الضرورية التي ليست بجعل جاعل إنما المجعول ملزوماتها التي هي من جملة الخيرات فكثير من الغايات الكمالية لبعض الأشياء مضرة أو مفسدة لبعض الأشياء كما إن غاية القوة الغضبية مضرة بالقوة الناطقة.
وقد عرفت ـ في العلم الكلي من مباحث العلة الغائية ـ الضرورات التي تلزم الغايات الذاتية، فهذه الشرور من لوازم الغايات الخيرية كالامكانات اللازمة للهويات، والنقصانات الضرورية للوجودات والنقصانات الوجودية عن رتبة الوجود الأول متفاوتة، فإن نقصان الجسم عن درجة الواجب أكثر من نقصان النفس، ونقصان الحس عن درجة العقل الأول أكثر من نقصان الخيال، فلو كان النقصان في جميع الممكنات متشابهاً كانت الأنواع كلها نوعاً واحداً ومهياتها مهية واحدة، وكما إن مهيات الأنواع بحقائقها متفاوتة فكذلك هويات الأشخاص التي تحت نوع واحد متفاوتة.
فبالجملة الإبداع يوجب نقصان المبدع عن المبدع وإلا لم يكن أحدهما بكونه مبدعاً والآخر مبدعاً أولى من العكس، فإذن من الضرورة أن لا يكون ممكن ما خالياً عن نقص وقصور ومن الضرورة أن يكون النقص في عالم النفوس أكثر منه في عالم العقول، وفي عالم الطبايع أكثر وأوفر مما في عالم النفوس، وفي عالم العناصر أكثر وأشدّ مما في عالم الأفلاك وهكذا إلى أن ينتهي إلى مادة مشتركة لا خيرية فيها إلا القوة والاستعداد لقبول الأشياء، وستعلم أنها ـ وإن بلغت إلى نهاية الخسة والشرية في ذاتها ـ لكنها وسيلة لحدوث الخيرات كلها، وإن الوجود بسببها يعود ويرجع إلى الكمال بعد النقص، وإلى الشرف من الخسة، وإلى الصعود من الهبوط، وهذه المادة كما أنها قابلة للصورة قابلة للعدم، ولا يمكن لها أن يقبل الصور كلها ولا يقبل اعدامها ومقابلاتها.
فإذن نقول: إن الشرور التي هي من باب الاعدام والنقصانات والقصورات في الجبلة فليس ثبوتها لأن فاعلاً يفعلها، بل لأن الفاعل لم يفعلها، وهي التي ليست خيراً بالقياس إلى شيء آخر وأما الشرور التي تلحق بأشياء هي في نفسها خيرات وبالقياس إلى بعض الأشياء شرور ـ كوجود النار والماء والسيف والسنان والسبع والحية وغيرها من الذوات وكوجود الغضب والشهوة والجربزة والشيطنة وغيرها من الصفات، وكوجود الضرب والطعن والقتل وغير ذلك من الأفعال ت فإنما هي من سببين: سبب من جهة المادة لأنها قابلة للصورة والعدم، وكان ممتنعاً أن لا تكون قابلة للمتقابلات وسبب من جهة الفاعل لأنه وجب أن يفعل فعله الخاص إذا لاقى في مادة لفعله.
واستحالة أن يكون للقوى الفعالة لذواتها أفعال متضادة أو يكون قد حصل وجودها وهي لا تفعل فعلها، فمن المحال أن تفعل النار الأغراض المقصودة منها ولا تحرق بدن انسان لاقته، أو أن يفعل السيف الأغراض التي لأجلها ولا يقطع عضو إنسان إذا ضرب به عليه، فلم يكن بدّ من أن يكون الغرض النافع في وجود هذه الأشياء مستتبعاً لآفات يعرض منها في بعض المواد، لكن الأمر الأكثري والأمر الدائم هو الخير المقصود منها في الطبيعة.
أما الأكثري فإن المنتفعين بالنار مثلاً أكثر من المستضرين، والمستضرون أيضاً أوقاتهم التي هم فيها في كنف السلامة من الاحتراق أكثر من زمان استضرارهم.
وأما الدائم فلأن أنواعاً كثيرة لا تستحفظ إلا بوجود مثل النار فلم يحسن في الازادة الأزلية والعناية الأولى أن يترك المنافع الأكثرية والخيرات الدائمة لعوارض شرية أقلية، فالحكمة الإلهية اقتضت أن لا يترك الخيرات الفائضة الدائمة النوعية والمنافع الأكثرية لأجل شرور في أمور شخصية غير دائمة ولا أكثرية، فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعرض.
واعلم أن هذا القسم من الشر الوجودي لا يوجد في عالم القضاء الإلهي الذي هو عبارة عن وجود جميع الأشياء بصورتها العقلية، لخلوصها عن المادة ونقائصها، فالنار العقلية لا شر فيها وكذا الماء العقلي والانسان العقلي والفرس العقلي والأسد العقلي وكذا سائر الصور العقلية لسائر الأشياء لا شرية لها بل كلها خير محض وإنما يوجد الشرور في عالم القدر الذي هو تفصيل الصور التي في عالم القضاء وتجسيمها وتقديرها بقدرها المعلوم، وهذا الوجود الجسماني لا يخلو من تضاد وتمانع توجبان التفرقة والتكثير، ويعدمان تلك الجمعية والوحدة، ومنبع التفرقة هي المادة كما أن منبع وجود المادة هو الإمكان. فإن صدور المواد الجرمانية من العقول الفعالة إنما هو من جهة امكاناتها ونقصاناتها لا من جهة وجوب وجوداتها، وكمالاتها فالهيولى منبع الشرور والنقص، ولابدّ من وجودها كما علمت.
قال «المحقق الطوسي» (ره) في «شرح الاشارات» ـ عند قول «الشيخ»: لأن كل شيء لازم له بوسط أو بغير وسط يتأدى إليه بعينه قدره الذي هو تفصيل قضائه الأول تأدياً واجباً إذ كان ما لا يجب لا يكون كما علمت ـ بهذه العبارة «أقول: في تقريره لما كان جميع صور الموجودات الكلية والجزئية التي لا نهاية لها حاصلة من حيث هي معقولة في العالم العقلي بابداع الأول الواجب إياها وكان ايجاد ما يتعلق منها بالمادة في المادة على سبيل الابداع ممتنعاً، إذ هي غير متهيئة لقبول صورتين معاً فضلاً عن تلك الكثرة، وكان الجود الإلهي مقتضياً لتكميل المادة بابداع تلك الصور فيها وإخراج ما فيها بالقوة من قبول تلك الصور إلى الفعل قدّر بلطيف حكمته زماناً غير منقطع في الطرفين يخرج فيه تلك الأمور من القوة إلى الفعل واحداً بعد واحد فتصير الصور في جميع ذلك الزمان موجودة في موادها، والمادة كاملة بها وإذا تقرر ذلك فاعلم أن القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجملة على سبيل الابداع والقدر عبارة عن وجودها في موادها الخارجية بعد حصول شرائطها مفصلة واحداً بعد واحد كما جاء في التنزيل «وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم» والجواهر العقلية وما معها موجودة في القضاء والقدر مرة واحدة باعتبارين، والجسمانية وما معها موجودة فيهما مرتين» (انتهى كلامه).
وقال الشيخ الاشراقي في «التلويحات» لو: «نظرت إلى آثار رحمه الله في هذا العالم لقضيت العجب من أن الرحمة الإلهية لما كان غير جائز أن تقف على حد يبقى ورائها الإمكان غير المتناهي وجدت هيولى ذات قوة القبول إلى غير النهاية، كما للمبادي قوة الفعل إلى غير النهاية، وكان لابدّ أيضاً لتجدد الفيض من تجدد أمرها فوجدت أشخاص فلكية دائرة الأغراض علوية يتبعها استعداد غير متناه ينضم إلى فاعل غير متناه وقابل كذلك فينفتح باب نزول البركات ورشح الخير الدائم في الازال والآباد، ويحصل الفيض على كل قابل بحسب استعداده، إذ المبدء الواهب لا تغير فيه، ولو كان للنمل استعداد قبول نفس أشرف ـ كما للانسان ـ لحصل فيها ـ من فيض العقل الفيّاض.
ثم لما كان أشرف ما يتعلق بالهيولى النفس الناطقة ـ وكان غير جائز خروج الممكن فيها دفعة دون الأبدان ولا مع الأبدان ـ فبحسب الأدوار والأكوار والاستعدادات يحصل نفوس من فيض واهبها قرناً بعد قرن، راجعة إلى ربها إذا كملت» (انتهى كلامه).
فقد تبين واتضح أن اللانهاية في الأشخاص والنفوس ـ التي اقتضتها العناية الأزلية ـ من ضرورتها وقوع الاستحالة والتضاد في عالم الكون والفساد، ولولا التضاد لما صحّ الكون والفساد، ولولا الكون والفساد ما أمكن وجود أشخاص غير متناهية، ولا التي هي أشرف منها وهي النفوس غير المتناهية الحيوانية، ولا التي هي أشرف من القبيلتين وهي النفوس غير المتناهية النطقية وكون الصور والكيفيات مضاداً بعضها لبعض قد علمت أنها ليست بفعل فاعل بل من لوازم وجودها القدري المادي. ومن ضرورة التفاعل بينها حتى يقع الاعتدال ويحصل به كمال تضادها، فصح أنه لولا التضاد ما صح دوام الفيض من المبدء الجواد، ولوقف الجود، ولتعطل العالم العنصري عن قبول الحياة التي بها يحصل نيل المقصود، وبقى أكثر ما يمكن في مكمن الامكان وكتم العدم البحت، ولم يمكن للسلاك السفر إلى الله تعالى والرجوع إليه، وقد قال (سبحانه): (كما بدأنا أول خلق نعيده).
ومَن تأمل في أمر الموت الذي يعده الجمهور من أقوى أنحاء الشرور لعلم أنّ فيه خيراً كثيراً ـ لا نسبة لشريته إليه ـ يصل إلى الميت وإلى غيره، أما الواصل إلى غيره فإنه لو ارتفع الموت لاشتد الأمر على الناس وضاق المكان حتى لا يمكنهم التنفس فضلاً عن الحركة والأكل والشرب، فالمفروض أنه حي عند ذلك أسوء حالاً من الميت وأما الخير الواصل إليه فخلاصه عن هذا الوجود الدنيوي المعرض للآفات والمحن، ومآله إلى الرحمة.
__________________
الــــجـــرح عـــلـــمـــنــــى انــــســــى الــلــى يـــظــلـــمـــنـــى
الكلمات الدليلية: لا يوجد




 

مقالات ادبية وفلسفية وثقافة عامة





جديد على الموقع؟ تريد مساعدة؟

الساعة الآن 04:27 PM.


شبكة الوطنية الثقافية
تنويرية - تعليمية - ترفيهية - حوارية - اسلامية - عربية
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2008

منتديات مدونات مجموعات معارض صور نكت برامج مواقع العاب الجوال
المرئيات السوق محطات برمجة فكر صحة أدب حواء اسلاميات

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34